بنية الألم في السرديات السورية

17 فبراير 2026

(ماجد شلا)

+ الخط -

يمثّل أحد الإشكالات المركزية في المشهد السوري المعاصر، بصورة أساسية، في تراكم مظلوميّات متوازية تتجاور ضمن بنية تاريخية واحدة أنتجها النظام السياسي نفسه خلال عهد الأسدَين (الأب والابن)، من دون أن تنفي إحداها الأخرى، عبر آليات معقّدة من الضبط الأمني، والتقسيمات الرمزية، وإدارة الخوف. لم تكن هذه المظلوميّات اختراعاً خطابياً ولا نتاج مبالغة جماعية، بقدر ما كانت خبرات عيانية عاشتها مجموعات دينية وطائفية وقومية واجتماعية مختلفة، كلٌّ ضمن شروطها الخاصّة من الإقصاء أو القمع أو التهميش أو التهديد الوجودي. وعليه، لا يفضي اختزال السردية السورية في ضحية واحدة كبرى، أو في رواية مركزية جامعة، إلى الفهم بقدر ما يُكرِّس عمى معرفياً تجاه بنية الألم المتعدّدة. ما يميّز التجربة السورية هنا أن العنف لم يكن لحظة انفجار عابرة، بقدر ما كان عملية تديرها الدولة خلال عقود متتالية عبر إدارة الخوف، وإعادة إنتاج الشكّ المتبادل بين المجموعات، وتغذية تصوّرات متناقضة عن الضحية والجلاد. أنتجت هذه الإدارة الرمزية للعنف بنية سردية متشظّية، فترى كل جماعة تاريخها الخاص بوصفه مركز المأساة، ولا يحدُث هذا عبر إنكار آلام الآخرين بالضرورة، وإنما نتيجة تمركز الخبرة المُعاشة داخل أفقها الخاص. ومن منظور سوسيولوجي، ليس هذا التمركز انحرافاً أخلاقياً على الإطلاق، بقدر ما هو آلية دفاع معرفية تحمي الذاكرة الجماعية من الانمحاء.
هنا تظهر أهمية الأدب والتوثيق بوصفهما حقلَين قادرَين على تفكيك احتكار السرد من دون الوقوع في فخّ التسوية الخطابية السطحية. فالأدب، حين ينحاز إلى التجربة الإنسانية الملموسة، يحرّر الألم من صيغته الشعاراتية، ويعيد صياغته داخل سرديات حميمة تكشف التوتّرات الدقيقة بين الفرد والجماعة، وبين الذاكرة الشخصية والتاريخ العام. أمّا التوثيق، حين يتخلّص من نزعة التسييس المباشر، فيتيح أرشفة الألم بوصفه خبرةً تاريخيةً متعدّدة الأصوات، بدل أن يكون ملفّاً قضائياً موجّهاً لخدمة سردية واحدة. إن إعطاء مساحة لأصوات المجموعات المختلفة لا يكون بهدف تذويب الفروق أو محاولة لإنتاج خطاب توافقي مصطنع؛ فالتوثيق هو الاعتراف بأن التعدّد السردي جزء من الحقيقة الاجتماعية ذاتها. فالمجتمعات التي عاشت تحت أنظمة قمعية طويلة تخرج بخرائط متباينة من الألم، تتقاطع أحياناً وتتنافر أحياناً أخرى. تجاهل هذه الخرائط، أو نفي إحداها لصالح الأخرى، لن يفضي إلى مستقبل مشترك، بقدر ما سيعيد إنتاج شروط الصراع داخل المجال الرمزي على مستوى الجغرافيا السورية حتى بعد تراجع العنف المادي.
ومن هنا، يصبح تفكيك صراع السرديات عملية تبدأ من الحوارات المجتمعية قبل أن تنتقل إلى المجال السياسي. فاللغة السياسية التقليدية، ببلاغتها المتضخّمة ومفرداتها العقائدية، غالباً ما تشتغل على تجريد الإنسان من فرديته وتحويله إلى فئة أو طائفة أو كتلة أو ضحية نموذجية. هذه اللغة، وإن بدت قادرةً على التعبئة، تعجز عن احتواء التعقيد الوجودي للتجربة الإنسانية، وتُنتج بدلاً من ذلك تمثيلات مبسّطة للمعاناة، تَسهُل إدارتها خطابياً وتَصعُب معالجتها إنسانياً.
النزول من علياء الخطاب السياسي المزيَّف إلى أرض البشر وحيواتهم اليومية ليس انحيازاً عاطفياً، بقدر ما يوفّر خياراً منهجياً في فهم الاجتماع السوري. فالحياة اليومية، بما تحمله من تفاصيل صغيرة، وذاكرات عائلية، وخبرات فقد، وهشاشة، وصمود، تمثّل الحقل الحقيقي الذي تشكّلت فيه المظلوميّات المتعدّدة. حين نعيد الاعتبار لهذه التفاصيل، تتحوّل الذاكرة من مادة تجريدية إلى نسيج إنساني معقّد، يصعب اختزاله في سردية أحادية أو في خطاب أيديولوجي مغلق. أول ما ينبغي التخلّي عنه في محاولة لرؤية ضوء في آخر النفق ليس الاختلاف بين السرديات، وإنما وهْم القدرة على اختزالها في بنية خطابية واحدة؛ فالتاريخ السوري المعاصر لا يُقرأ عبر ثنائية مبسّطة للخير والشر، ولا عبر نموذج الضحية الواحدة، لأن بنية العنف التي أنتجتها الدولة كانت شاملةً بما يكفي لتطاول قطاعاتٍ متعدّدةً بطرق مختلفة. الاعتراف بهذا التعقيد يعمّق الموقف الأخلاقي ولا يضعفه، لأنه يمنع تحويل الألم إلى أداة صراع رمزي بين الضحايا أنفسهم.

سمر يزبك
سمر يزبك
سمر يزبك
كاتبة وروائية وإعلامية سورية
سمر يزبك