بماذا يفكّر ترامب بشأن خامنئي؟
لا يرى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن المسافة بين كاراكاس وطهران بعيدة. ولهذا يقرع طبول الحرب في كل مكان، ويتباهى أمام صحفيي "نيويورك تايمز" الذين أجروا مقابلة مطولة معه، وبعد أن سمح لهم بالاستماع إلى مكالمة هاتفية مع رئيس كولومبيا، كيف أخضع كل زعماء أميركا اللاتينية لإرادته بعد اختطاف رئيس فنزويلا؟
انشغل العالم في منتدى دافوس بالتصدي للجنون الذي يشعله ترامب في كل مكان، فهو يقرّر سحب الدعوة إلى عضوية مجلس السلام من رئيس وزراء كندا، مارك كارني، لأنه وجّه انتقاداتٍ في كلمته التي أصبحت وثيقة تاريخية، تقدّم تصوراً لنهاية العالم القائم على القواعد، وأيضاً يسخر من نظّارة الرئيس الفرنسي ماكرون، لأنه تجرّأ على رفض عضوية مجلس السلام، الذي حسب رأي الخبراء، لا يختلف عن شركة يديرها ترامب كيفما شاء، فهو الوحيد صاحب الصلاحيات في الميثاق التأسيسي له، وهو وحده يملك حقّ النقض، واعتماد القرارات.
في دافوس، عدا عن كيل الاتهامات لأوروبا، والمجاهرة بأنه يشمت بها حين يقول: "لولا أميركا لكانت أوروبا كلها تتكلم الألمانية"، فإن المحللين والقادة والأطباء منشغلون في تقييم حالة ترامب النفسية، والعقلية، ويقول كتّاب وصحف أميركية إنه يعاني من مرض "الخرف الجبهي الصدعي"، وهو اضطرابٌ لا يبدأ بفقدان الذاكرة فقط، بل بتغير السلوك، وضعف الحكم على الأمور، وكلام مكرّر، ومفكّك، فهو يتغزّل بنفسه "أنا ديكتاتور"، وأيسلندا تصبح غرينلاند، وهذا باعتقادهم ليس زلّة لسان، أو خلطاً عابراً، بل فقدان السيطرة على الإدراك السياسي، فهو لا يميّز بين الجغرافيا والخيال، وبين ذاته، والدولة.
في زمن ترامب، لم يعد خطاب توطين الديمقراطية بضاعة تُشترى
ورغم هذا الهوس، يقف العالم على قدم واحدة، فهم لا يستطيعون التنبؤ بخطوته اللاحقة، أين معركته المقبلة؟ هل سيحتل غرينلاند، أم أن وجهته الآن طهران؟ قبل أشهر، وبعد الحرب على إيران التي استمرّت 12 يوماً، تباهى ترامب بأنه حطّم قدرات طهران النووية. إذن، لماذا الحرب المقبلة؟ ... في زمن ترامب، لم يعد خطاب توطين الديمقراطية بضاعة تُشترى. ولذلك، حماية الشعب الإيراني من بطش نظام الملالي خطاب لا قيمة له، والسؤال: هل الحرب إن وقعت ستكون لإطاحة النظام، وهل هذا ممكن ومتاح؟ هل يفكر ترامب في إعادة تنفيذ سيناريو مشابه لما حدث في فنزويلا بطهران، وهل اختطاف المرشد العام للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي ممكن؟
السيناريوهات متعددة، وكلها تخضع للتقييم، وقد تكون كل هذه البروباغندا توطئة لصفقة كبرى مع نظام طهران، تؤمن لواشنطن مصالح لا تحلم بها. هناك من يقول إن النظام الإيراني المتجذّر أيديولوجياً في داخل بنية الشعب، ليس هو النظام الفنزويلي، ولذلك فإن أي مغامرة أميركية قد تواجه بفشل ذريع، مذكّرين بكارثة تحرير الرهائن من السفارة الأميركية في طهران، وفشلها الذريع، والمخزي عام 1980.
أثبت العدوان في الصيف الماضي على إيران، بكل يقين، هشاشة النظام، واختراق أجهزة المخابرات الأميركية، والإسرائيلية، لكثير من بياناته، ومعلوماته الحسّاسة. ولهذا، تداعي النظام وسقوطه ليسا مستحيلين، فأنظمة دفاعاته الجوية سقطت بالاختبار، وأذرعه الخارجية في لبنان حزب الله، والعراق ضعفت، وبالكاد تملك القدرة للدفاع عن وجودها، والوضع الاقتصادي في انهيار، والاحتجاجات الشعبية متصاعدة من دون المبالغات الغربية، والنظام في عزلة دولية، والرهان على دعم عسكري روسي صيني غير واقعي، ولم يثبت في السابق، وقد لا يحدث الآن ولاحقاً.
حماية الشعب الإيراني من بطش نظام الملالي خطاب لا قيمة له
سرّبت وسائل الإعلام أن تأجيل الحرب على طهران جاء بناءً على نصائح قدّمت إلى ترامب من دول الخليج (السعودية، قطر، عُمان)، إضافة إلى مصر، والتحذيرات من التداعيات على المنطقة، والفوضى غير الخلاقة التي قد تعمّ، وتقلب الكثير من المعادلات، وتفرض تداعياتها الاقتصادية، قبل السياسية. وكان السؤال الأهم: ماذا لو سقط نظام الولي الفقيه في إيران، ما البديل، وما السيناريوهات المقبلة، وهل هناك تصورات جاهزة قادرة على فرض النظام، ومنع الفوضى، واندلاع حرب أهلية، ومخاطر انفجارات في دول الجوار الإقليمي؟
لا يغيب عن دول المنطقة ما حدث بعد إسقاط النظام العراقي بقيادة الرئيس الأسبق صدام حسين عام 2003، فمنذ ذلك التاريخ، ورغم مرور أكثر من 20 عاماً، والعراق، ودول الإقليم تدفع الفاتورة، ولم تسلم من شظايا تدمير الدولة العراقية.
في تسريبات أجهزة الاستخبارات، أن الحل الأمثل لتغيير النظام الإيراني إيجاد بديل من داخل بنية النظام، ويشيرون إلى أن أفضل خيار، انقلاب الحرس الثوري، القوة الكبرى في إيران على نظام المرشد، وخلافة العرش في انقلاب أبيض، وباتفاق مع واشنطن والدول الغربية، بما يؤمن شرعيتهم الدولية، ورفع العقوبات عنهم، وتأمين المصالح الاقتصادية للشركاء الدوليين، ويعيدون التذكير بتجربة هيئة تحرير الشام في سورية، نموذجاً للتغيير الجذري، والانتقال من تصنيف الإرهاب إلى سدة الحكم؟
في كل الأحوال، لا حدود لجموح الرئيس ترامب، وقد تكون طهران هدفاً من أهداف كثيرة يسعى سيد البيت الأبيض لإخضاعها بالقوة، إن لم تفلح لغة التهديد، والابتزاز، ويبقى السؤال: إلى أين بندقيته موجهة؟