بماذا نفعت اتفاقيات التهدئة غزّة؟

بماذا نفعت اتفاقيات التهدئة غزّة؟

23 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

هذه هي المواجهة الرابعة في 12 عاماً بين غزّة وإسرائيل، ويبدو أنّ غزّة قد انفردت بحمل كلّ إرث العرب في المواجهات مع إسرائيل منذ قيام الكيان عام 1948، وآلت إليها المواجهة المباشرة عبر الحدود، إذ انتهى ذلك الصراع التقليدي الذي كانت تتزعمه دول عربية، مثل مصر وسورية والعراق، وتلاشى نمط الدول التي تدّعي الوطنية، لتخفي حقيقة ديكتاتوريتها واحتكارها كلّ السلطات، وقد لاقت جميعها مصائر تراجيدية محزنة، تتنوع بحسب مواقع تلك الدول وتكويناتها وشكل النظام السياسي الذي يتحكّم بها، فقد انتهت مصر إلى دفن إرث جمال عبد الناصر باتفاقيات كامب ديفيد التي أخرجتها من الصراع، وصارت تتبنّى دور التهدئة والوساطة وتقريب وجهات النظر من دون أن تقوم بأي عمل فعال. وتحطَّم العراق بين يدي أميركا التي سلمته للمليشيات والجيوش الخاصة والنفوذ الإيراني، وبقي من الصراع القديم تلك الشعارات العتيقة التي لم يعد يصدّقها أحد، فيما استهلك النظام السوري ما كدّسه طوال سنوات من التسلّح في معركته الداخلية، فحطم الدولة وهجّر حوالى نصف شعبها، ولم يبقَ من ترسانته العسكرية إلا ساحات الخراب وأكوام الخردة المحروقة، ولم يتكلف لإعلان حتى التعاطف مع ضحايا حرب غزة أخيراً، وهو في غمرة المهزلة الانتخابية التي تحاول تأبيد رئيسه. وهو في الواقع قد نفض عن نفسه آخر ورقة توت منذ اغتيال رفيق الحريري حين انكشف أنّ عزمه الأساسي إحكام سيطرته الداخلية على مجتمعه، من دون أيّ طموح تحريري تجاه جبهة الجولان.

سحبت إسرائيل قواتها ومستوطناتها من غزة، وأبقت على حصارها البرّي، لكنّها سيطرت على المياه الإقليمية للقطاع منذ يوليو/ تموز 2005. وفي ذلك التاريخ، كان قد مضى على اتفاقيات كامب ديفيد أكثر من ربع قرن، وأصبحت حكومات مصر صديقةً لإسرائيل، على الرغم من وجود رفض شعبي عميق لها، وكان نظام صدّام حسين قد انهار تحت ضغط قوة الصدمة والرعب الذي مارسه جورج بوش الابن. ولم يعد ثمّة تهديد يمكن أن تستخدمه إسرائيل لإشهار مظلوميتها.

ربطت إسرائيل كلّ ما يلزم الحياة في قطاع غزة بمعبر إيرز الذي تسيطر عليه، مكتفيةً بسبعين كيلومتراً من الحدود البرّية "المعادية" لتسهيل إحكام السيطرة عليها وعلى القطاع كله. وكان هذا الأمر مطلوباً، لأنّ كلّ القوات العسكرية التي يمكن أن تشكل تهديداً لإسرائيل موجودة في غزة. وعلى الرغم من وجود حزب الله في جنوب لبنان، إلا أنّه يحتفظ بخطط مغايرة، ولم يتخذ أيّ خطوة عسكرية جادّة يُفهم منها بداية هجوم أو مساندة في المواجهات الأربع السابقة التي خاضها القطاع ضد إسرائيل، ما يجعل غزّة تشكل بالفعل التهديد العسكري الوحيد.

يحدث الاعتداء الرابع على القطاع من دون أن يحافظ العرب على تقاليدهم في عقد قمة عربية لدراسة وضع الهجوم والأبعاد وشجب العنف، بعكس ما اعتادوا فعله في المرّات السابقة، فقد أصبح الوقت ملائماً لإرساء تقاليد جديدة في محيط إسرائيل، من ضمنها التخلّي التام. جاء الاعتداء أخيراً تحت الذريعة نفسها التي تقدّمها إسرائيل للعالم والأمم المتحدة؛ وقف إطلاق الصواريخ. وكلّ اتفاقيات الهدنة السابقة التي وافقت إسرائيل على إجرائها مع غزّة لم تكن كافية لنزع صواريخ "حماس" والفصائل في القطاع، وما زالت إسرائيل تختبئ خلف حجّة شعورها بالخطر والتهديد أمام دول العالم، فمن السهل عليها إلصاق تهمة الإرهاب بحركتي حماس والجهاد الإسلامي، ويمكنها أن تتحكّم بأمد المواجهة بما يتناسب مع أزمتها الداخلية، أو التغطية على القضايا الحقيقية، كقضية حيّ الشيخ جرّاح. ويمكنها عند اشتداد الأزمة أن تجتاح القطاع بعمليةٍ عسكريةٍ، صار الجيش الإسرائيلي يحفظها عن ظهر قلب. ويمكن في كلّ وقت أن تؤدي مصر دوراً في التهدئة، بالطريقة التي ترغب فيها إسرائيل وترضي القطاع، من دون أن تحلّ القضية الأساسية، بل بطريقةٍ تُضمر بنوداً غير مرئية، تبقي المجال مفتوحاً لمواجهاتٍ أخرى في مقبل السنوات.