بعد عام على التغيير... سورية جمهورية اللافعالية

10 ديسمبر 2025

طائرات فوق ساحة الأمويين في دمشق في الذكرى الأولى لسقوط الأسد (8/12/2025 Getty)

+ الخط -

مرّ عام على التغيير في سورية، سقط الأسد وسقطت معه مرحلة كاملة، بسلوكيّاتها وسياساتها ومنطقها، ووصل إلى السلطة فاعلون جُدّد، كانوا جزءاً من الثورة على نظام الأسد، ولكن بفكر واستراتيجيات وتكتيكات مختلفة، على الأقل، عن الثورة في صورتها الأولى ومسارها في البدايات.
بالتقييم السياسي الموضوعي، والبحث عن النتائج السياسية المُحقّقة، كان عاماً مُضيّعاً، خالياً من أيّ نتاج سياسي ذي قيمة، إذ لا السلطة ولا المعارضة أنتجا محتوى سياسياً مهماً يمكن البناء عليه، أو اعتباره تأسيساً لمرحلة سياسية، كان من الطبيعي أن تتزامن ولادتها مع التغيير الفيزيائي، سقوط منظومة، وحلول أخرى محلّها.
الحاصل السياسي للعام الماضي أنّ السلطة التي تسلّمت مقاليد الحكم عملت على تكريس حكمها البلاد فترات طويلة مقبلة، فلم تُقدِم على بناء مؤسّسات حقيقية ولا بنى سياسية تؤشّر إلى ولادة مرحلة جديدة، أو تكون متقاربة مع التصوّرات التي بناها السوريون عن التغيير في سورية، ولو افترضنا أنّ التصوّرات لا يمكن ترجمتها على شكل وقائع بشكل عام، فإنّ ما تمّ شغله على الواقع يمثّل انحرافات عن التصوّر والمأمول وانزياحات من شأنها، إذا ما استمرّت صيرورة مراكمتها، إعادة تشكيل البلاد على كلّ المستويات بشكل مُفارق عمّا أراده السوريون.
ترجمة هذا الكلام تتبدّى بشكل جلي عبر إجراءات عديدة جرى رسمها على مدار العام الماضي، ولا سيما على صعيد الهياكل المؤسسية والبنى السياسية، من تشريعية إلى تنفيذية وقضائية، والتي بالطبع تحمل طابع الديمومة وليس الانتقال، ذلك أنّ من شأن الهامش الذي منحته السلطة لنفسها، خمسة أعوام انتقالية، أن يعيد تركيب المشهد السوري عبر تفاصيل مطلوب عدم معارضتها بذريعة أنّها تصحيح للخراب الذي خلّفه النظام السابق، لكنها تفاصيل في سياق صناعة واقع جديد وضمن استراتيجية الاستحواذ على السلطة إلى يوم القيامة.

لا السلطة ولا المعارضة في سورية أنتجا محتوى سياسيّاً مهمّاً يمكن البناء عليه

اهتمّت السلطة الحالية بعقد الصفقات، حتى غدت الصفقات، بعيداً عمّا إذا كان تنفيذها ممكناً من عدمه، بطلة المشهد السوري ومحرّكه الأساسي، وبدا أنّ السلطة على استعداد للقيام بصفقات مع رجال النظام السابق، ومع إسرائيل، ومع روسيا وأميركا، ومع الشياطين إن أمكن، وفق حسابات تقوم على أنّ الصفقات تمثّل عنوان الفعالية، وهذه أساس شرعية النُظم السياسية في العصر الحديث، وبالأخصّ تلك التي تصل للسلطة بطرق غير تقليدية.
في المقابل، لم تنتج المعارضة في سورية أي محتوى له أهمية على الصعيد السياسي، بالأصل المعارضة السياسية في سورية ليست موجودة؛ أين هياكلها وأين أفكارها وأين قادتها؟ ما هو موجود على الساحة مجرّد حفلة ردح أبطالها أشخاص يبحثون عن الشهرة أو حتى عن مناصب داخل منظومة الحكم الحالية، صحيح أنّ هناك توسّعاً في الفضاء المدني، يمكن ملاحظته من خلال عودة التجمّعات العامة والمناقشات عبر المنتديات، مع حرّية الانتقاد، من دون فعالية تُذكر وبلا منهجية وأسس صحيحة للتأثير بصنّاع القرار أو بتوجّهات السياسة السورية عموماً.
المحاولات الأكثر وضوحاً في سورية هي ما يحصل في مناطق الأطراف، والتي يمكن إدراجها في سياق إعادة تشكيل موازين القوى، لكن يبدو أنّها انحرفت عن مسار إبراز فاعلين جدّد مؤثّرين في صنع السياسات، إلى قيادة تلك المناطق للانفصال عن البلد، ومن ضمن أهدافها ليس النجاة من قارب يوشك على الغرق كما يُصوّر بعضهم وإيجاد مسارات جديدة لتلك المناطق، وإنما انتقام ونكاية بالتغيير والزُمر التي تمثّله.

قد لا تحتمل سورية عاماً آخر على شاكلة العام الذي مرّ

وهكذا، بين إصرار جماعة الحكم على تصميم السلطة لهم ومكايدات الأطراف المقابلة، استُنزفت طاقات كبيرة لا علاقة لها بالتطوير السياسي ونظام الحكم ولا مستقبل البلاد، بل جرى تطوير سرديات المظلومية، من كلّ الجهات، وتأسيس صراعات الهُويّة، بعد شحنها بطاقات كبيرة، من الدم والألم والخراب، كان من نتيجتها تشييد جدران عالية تكرّس التباعد بين السوريين.
بعد عام بلا فعالية أو جدوى سياسية، تدخل البلاد عاماً آخر من دون أيّ أفق لحصول تغييرات مهمّة، في بلد يحتاج كلّ شيء، بما فيها، وربّما أهمها، جهود جميع أبنائه للخروج من مأزق الواقع الحالي، لا أن يتم صرف هذه الطاقات في بازارات الكراهية التي باتت الأطراف السورية تُقيمها بمناسبة أو من دون مناسبة في أجواء احتفالية وحالة من الفخر والانتشاء غير مبرّر، فضلاً عن عدم منطقيّتها.
قد لا تحتمل سورية عاماً آخر على شاكلة العام الذي مرّ، وهذا ما يجب التنبّه إليه جيّداً ممّن تهمهم مصلحة البلاد، لكن من قال إنّ الفاعلين الجدّد في سورية، بكلّ انتماءاتهم وتوجّهاتهم، تهمهم سورية أكثر من مصالحهم المباشرة، من قال إنهم ليسوا من قماشة الأسد الذي قرّر حرق البلد إن لم يأت على هواه؟
أبداً، ما جرت ممارسته عبر عام مضى ليس مناورات سياسية ولا ضغوط هدفها التطوير السياسي أو تحسين الواقع السوري، ما جرى كان تأسيساً واعياً لأهداف وغايات أخرى، قد نرى نتائجها الكارثية في العام القادم، إلّا إذا ظهر سوريون جدد وأوقفوا مسار الانحدار.

5E9985E5-435D-4BA4-BDDE-77DB47580149
غازي دحمان

مواليد 1965 درعا. كتب في عدة صحف عربية. نشر دراسات في مجلة شؤون عربية، وله كتابان: القدس في القرارات الدولية، و"العلاقات العربية – الإفريقية".