بطاقة تموينية أم انتخابية في لبنان؟

بطاقة تموينية أم انتخابية في لبنان؟

10 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

أقرّ البرلمان اللبناني قانون البطاقة التموينية، تمهيداً لمنح ما معدله 100 دولار شهرياً لعدد من العائلات الفقيرة، في خطوةٍ قد تكون مقدّمة لرفع الدعم عن الأدوية والمواد الغذائية والمحروقات. بطاقة ذكية، يحصل على أساسها المواطنون اللبنانيون على السلع الأساسية، مثل الخبز والمحروقات والدواء، بالسعر المدعوم، بعد قرار مصرف لبنان إيقاف الدعم عن تلك السلع. وقد أخذ حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، قراره برفع الدعم عن السلع والمحروقات، عازياً قراره هذا إلى تشريع قانوني من مجلس النواب، يسمح له باستخدام الاحتياط الإلزامي. وفي تبريره رفع الدعم، ذكر أن مصرف لبنان استنزف الاحتياطيات النقدية الأجنبية، ما أجبره على التخلّي عن هذا الدعم.

ويتخوّف اللبنانيون من دخول الزبائنية والمحسوبيات في توزيع البطاقات التموينية، ولا سيما أن التجربة السابقة في توزيع المساعدات كانت أكثر من فاشلة، حسبما رأى وزير الشؤون الاجتماعية السابق، ريشار قيومجيان، مؤكداً، في حديث صحافي، أنه يجب تحديد الفئات التي ستحصل على البطاقة التموينية وفق معايير واضحة، فلا تدخل الاستنسابية والزبائنية كما حصل سابقاً عندما عمدت الحكومة المستقيلة إلى تحديد فئاتٍ انطلاقاً من محسوبيات حزبية وسياسية.

المحسوبيات، المصطلح الذي بات يترافق مع الوعي العام الجماعي اللبناني عند كل استحقاق انتخابي نيابي. فكيف إذا كان لبنان قد دخل فعلياً في مرحلة التحضير للانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في ربيع عام 2022؟ وهذا ما أكّده الرئيس، ميشال عون، في كلمة بالقصر الجمهوري أمام الرئيسة السابقة لبعثة الاتحاد الأوروبي، إيلينا فالنسيانو، التي تولّت مراقبة الانتخابات النيابية في 2018، بحسب بيان صادر عن الرئاسة اللبنانية.

ليس مصادفةً التلكؤ الذي يمارسه المعنيون في إصدار البطاقة التموينية، ولا سيما بعد اجتماع بعبدا الذي رفع أخيراً سعر دعم المحروقات إلى 8000 ليرة لبنانية بدل 3900 ليرة، كي يتسنّى لهم استغلال هذه البطاقة في الوقت المناسب لكسب الأصوات الانتخابية، فقرار إعطاء سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام صدر قبل انتخابات 2018، ما أعطى الأحزاب اللبنانية الدعم للحصول على مقاعد انتخابية جديدة، على الرغم من عدم دراسة انعكاس تلك السلسلة على الوضعين، النقدي والاقتصادي، وعلى الرغم من أنها كانت السبب المباشر لانهيار لبنان المالي.

يعتمد المسؤول في لبنان على شراء الصوت الانتخابي من المال العام، عبر تطبيق البطاقة التموينية التي قد تساهم في سرعة الانهيار الاقتصادي للبلاد

من جديد، يعتمد المسؤول في لبنان على شراء الصوت الانتخابي من المال العام، عبر تطبيق البطاقة التموينية التي قد تساهم في سرعة الانهيار الاقتصادي للبلاد، إذ كيف ستموَّل تلك البطاقة في وقتٍ لا يترك فيه حاكم مصرف لبنان مناسبة إلا ويعلن فيها إفلاس الخزينة العامة؟ فهل ستكون هذه البطاقة مرساة نجاة للكتل النيابية كي تعيد تجديد حضورها في المجلس النيابي؟

كل الحسابات اليوم باتت تصبّ في مصلحة الزعيم الانتخابية، فالماكينات الانتخابية لكل الأحزاب أقلعت، وبدأت تقدّم الدراسات والإحصاءات لموازين الربح والخسارة؛ إذ طالما الحياة السياسية تختزل في مجلس النواب وتحت سقف البرلمان، بات المستحيل مجازاً في لبنان. لا أحد يريد خسارة مقعده، بل على العكس يسعون إلى زيادة كتلهم النيابية.

فيما ينشغل المجتمع الدولي في صراعاته، وأزيحت المظلّة التي كانت فوق لبنان، كي لا يسقط هذا البلد في الفوضى، نجد المسؤولين فيه غير آبهين للكوارث التي تلحق بالشعب، ولطوابير الذلّ التي تهين كرامة اللبناني. هذا وقد بات اللبناني بعيداً كل البعد عن دوره مراقباً ومحاسباً، بل أصبح جلّ اهتمامه تعبئة خزّان سيارته بالوقود، أو الحصول على دواء مقطوع، أو ربطة خبز من أفران باتت تدق ناقوس الإقفال، كما المستشفيات.

يتخوّف اللبنانيون من دخول الزبائنية والمحسوبيات في توزيع البطاقات التموينية

منذ تكوين لبنان، والزعيم يتفنن في اتباع سياسة الإلهاء التي تحدّث عنها المفكر الأميركي تشومسكي، والتي تعتمد على إلهاء الرأي العام عن أموره المصيرية نحو التفكير في أمورٍ كان من المفترض أن تكون موجودة، كحقوق مكتسبة من السلطات الحاكمة. وقد تعيد الانتخابات النيابية المقبلة الطبقة السياسية الموجودة نفسها، بسبب انشغال الناخب بأمور حياتية ومعيشية، وقد تأتي البطاقة التموينية لتؤدي الدور المؤثر في الصوت الانتخابي لمصلحة هذه الطبقة، علماً أن هذه البطاقة ستزيد من الوضع سوءاً، ولا سيما بعدما تخطّت نسبة الطبقة الفقيرة الـ 70% من الشعب اللبناني، بحسب أحدث تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حول الواقع المزري للبنان.

بطاقة تموينية بطعم انتخابي ستعيد للحزب الصوت الانتخابي الذي فقده بعد ثورة 17 تشرين الأول 2019، والتي باتت تؤرّق المسؤولين جدياً، وخصوصاً في ظل فقر ضرب بيئاتهم الحاضنة لهم. لهذا قد نتوقع في المدى القريب قراراً من حاكم مصرف لبنان، بدعم مبطن من الكتل النيابية، الإفراج عن الودائع المحتجزة في المصارف، كي يعيد الثقة إلى شريحة كبيرة من المودعين.

أخيراً، يبقى لبنان بلد القرارات الأخيرة التي تصبّ في مصلحة الزعيم، من دون الأخذ بالاعتبار كرامة الناس التي فقدت كل أمل لها في هذا البلد. لذا، لن يكون مفاجئاً أي قرار يصبّ في مصلحة الزعيم، خصوصاً أنه عرف كيف يبني، على مدى عقود، الدولة الرخوة بدلاً من دولة المواطنة التي يتمتع فيها الفرد بحقوق، ويقوم بما عليه من واجبات.