بصهاريج المازوت، يودّع لبنان "دولته" رسمياً

بصهاريج المازوت، يودّع لبنان "دولته" رسمياً

23 سبتمبر 2021
الصورة

لبنانية ترمي الورد في استقبال ناقلات نفط إيراني لدى وصولها من سورية (16/9/2021/فرانس برس)

+ الخط -

لم يكن المشهد منسجماً تماماً. قافلة صهاريج المازوت القادمة من إيران عبر سورية لحساب حزب الله. "الأهالي"، أي جماهير الحزب البِقاعية، التي يُراد لها أن تكون عفوية، اصطفّت على طول طريق عريضة تسلكها قافلة الصهاريج. نسوة بالسواد يزغْردن، ينْثرن حبّات الأرز، ويفْدين أنفسهن في سبيل حسن نصر الله. وعلى طرف آخر، رجال. بعضهم يطلق الرصاص وصواريخ الآربيجي ابتهاجاً، وبعضهم الآخر متجمّعون، يرفعون صور حسن نصر الله، و"لبيك يا نصر الله...". يتقدّمهم باعتزاز رجل، ربما مختار القرية، أو وجيه من وجهائها. يحمل ورقة، ويهمّ بقراءتها خطابها المكتوب، والفرحة لا تسعه، من شدّة نصره. يقول فيها كلاماً عجيباً، وبنبْرة عالية:

"تجري الرياح بما يشتهي شعبنا/ نحن الرياح والبحر والسفن

بواخرنا... سفننا.../ هاتوا شخاتيركم، إن كنتم قادرين"

وإنْ لم يكن واضحاً من هم المقصودون بأصحاب "الشخاتير" (شختورة، مركبة بحرية متواضعة) الذين يتباهى أمامهم بامتلاكه "الرياح" و"السفن"، ولا هي واضحةٌ هوية المهزومين على يد هذه الصهاريج، إلا الدولة، غير أن الجمهور من خلف الرجل المتفوّه، يصفّق، يتحمّس، ويطلق شعاره المأثور: "لبيك يا نصر الله".

لم يلاحظ نجيب ميقاتي، أو أنه لم يعد يريد أن يرى، أن سيادة لبنان منتهَكة على يد حزب الله

على المقلب الآخر، كان لهدية المرشد الأعلى النفطية صدى مختلف بين كبار "مسؤولي الدولة". بعد يوم واحد على اجتيازها الحدود اللبنانية، كان رئيس الحكومة المشكَّلة بالأمس، وشعارها "معاً للإنقاذ"، يعلن حرفياً، بخصوص وصول القافلة المازوتية: "أنا حزين على انتهاك سيادة لبنان. ولكن ليس لديّ خوف من عقوبات عليه، لأن العملية تمت في معزل عن الحكومة اللبنانية".

كان يمكن له أن يختار مفرداتٍ أخرى غير "الحزن" على "سيادة لبنان"؛ مثل الاكتئاب، هبوط المعنويات، القهر، الهلاك.. لكنه "الحزن" وحده يكفيه. إنه العيار المسموح به، فالرجل لم يَعُد في وسعه سوى أن "يلاحظ"، علناً للمرة الأولى، أن سيادة لبنان منتهَكة على يد حزب الله. وعزاؤه أن دخول القوافل تمّ "بمعزل عن الدولة"، أي من دون أن يكون لها صفة رسمية. وهذه معادَلة تضرب كل القياسات المنطقية. بقليلٍ من التبسيط، يمكن تفسيرها: أن ثمة انتهاكاً للسيادة ولأسس الدولة. ولكن الحمد لله أن الدولة لم يكن لها يدٌ ولا علم بهذا الانتهاك.

ولهذا النوع من المعادلات الميّتة جذوره عند نجيب ميقاتي. قبل ثماني سنوات، وكان أيضاً رئيساً للوزراء، بقرار من حزب الله. يومها، ارتكب الحزب ما هو أخطر من جلب المازوت من إيران. فـ"بمعزل عن الدولة اللبنانية" أيضاً، عبرَ الحزب بكامل سلاحه الحدود بالاتجاه الآخر، نحو سورية، لمقاتلة الشعب السوري، حمايةً لعرش بشار الأسد. يومها، أطلق ميقاتي كلمة سوف تسجّل في التاريخ، إذ دعا الجميع، من دون تحديد من يكون هذا الجميع، إلى "النأي بالنفس" عن الحرب الدائرة في سورية. كان يُداري، على طريقته المعروفة بـ"تدوير الزوايا"، ما هو أقوى منه، وبكلمات تعلّمها ربما في مفاوضاته التجارية.

تراكم "الانتصارات" مكّن حزب الله، على امتداد السنوات الأخيرة، من تعطيل الدولة، من تسهيل إفساد أركانها

"النأي بالنفس" عبارة مرّت وقتها كالنسمة فوق رأس حزب الله، فيما باتت تعني لمن تبقى من "رجال الدولة" وضع رؤوسهم في الرمال. بدا وقتها وكأن نجيب ميقاتي يبتلع نصف الموس، ويترك نصفه الآخر للأبّهة ولمزيد من الاغتناء. أما الآن، فيظهر بـ"حزنه" بعد توالي انتصارات حزب الله، و"بمعزل عن الحكومة اللبنانية". لم يَعُد نصف الموس يكفي. صار من الضروري ابتلاعه كله.. والاعتراف بالعجز، أمام جبروت حزب الله. وهذا "الاعتراف" لا يقتصر على ميقاتي. دخل على لسان المدير العام للأمن العام، عباس إبراهيم. مسؤول أمني رفيع في "الدولة" اللبنانية يعلن بعيد وصول الصهاريج: "عندما تنتفي الدولة، على كل جهة أن تطلب من أصدقائها المعونة على غرار ما فعله حزب الله على مستوى المازوت الإيراني".

"تنتفي" الدولة، أي تسقط، أو تبتعد، أو تنقطع. "تنتفي" هي تلطيفٌ لما هو أفدح. الدولة بهذه الكلمة لم تَعُد موجودة. وكل واحد بشطارته. القادر على كذا وكيت، ما عليه سوى التماهي مع حزب الله. وهذا إعلانٌ رسميٌّ صريح عن موت الدولة اللبنانية، لصالح حزب الله. الذي يجب الاقتداء به.. إن استطعتم... كيف وصلنا إلى هذه المواصيل؟ وهل حصلت بَغتة؟ هل داهمتنا ونحن عائشون في جنة دولة متخيّلة؟

عودة إلى زمان قريب: وبعد ثلاثين سنة من الوصاية السورية التي أمعنت في تمزيق أوتار الدولة اللبنانية وأعصابها، وبعد نهاية هذه الوصاية، وانطلاق حزب الله نحو آفاق "انتصاراته"، دخل في الفلكلور المعاصر سؤال احتجاجي: "وينية الدولة؟"... صار مادّة تنْكيت واسكتشات ومنصّات فكاهية.

لماذا تبهْدل السؤال؟ لأنه، في أصله، مستوحى من كبار "المسؤولين في الدولة". يعني أن رجال الدولة يسألون عن الدولة، بصيغة الاحتجاج على غيابها أو ضعفها. ينْتحلون صفة المواطن البسيط، ويستنكرون هذين الغياب والضعف. وهذا سلوك اسمه "انتحال صفة". كلما ضاقت الدنيا بالمسؤول، النائب، الوزير، زعيم الطائفة - الحزب... يسأل كمن يسْتهْبل: "أين هي الدولة؟ أين هي مؤسساتها وقوانينها ودستورها؟". يطرحها أركان الدولة هؤلاء، ويكرّرونها كلما تجاوز حزب الله حدود الدولة وصلاحياتها. أو كلما احتاجوا إلى التذرّع بفشلهم في التعامل مع هذا الحزب، كحلفاء أو خصوم. لذلك تعامل الجميع مع هذا الانتحال: الذين كانوا مع حزب الله، أو ضده. الأولون للتغطية على خرْقهم "قانون الدولة ذات السيادة"، والآخرون المعادون، لقدرتهم على "التعايش" مع هذا الحزب، في قلب الدولة ومؤسّساتها، وبحسابات المكاسب والحصص.

ليس في وسع حزب الله أن يغيّر جلده. وبالتالي هو بحاجة للدولة، لتلك الخرابة، لذاك الهلاك. وهذا من شروط خدمتها له

"أين هي الدولة؟". هذا السؤال توقف روّاده عن طرحه اليوم، مع توالي الجولات المظفّرة لحزب الله. كل جولة بـ"انتصار" على اللبنانيين، على السوريين، على اليمنيين .. إلخ. وتراكم هذه الانتصارات مكّنه، على امتداد السنوات الأخيرة، من تعطيل الدولة، من تسهيل إفساد أركانها، من رشوتها مقابل تأييده، مثل الرشوة لميشال عون، في تحالف "اتفاقية مار مخايل"، التي أوصلت عون إلى رئاسة الجمهورية، وصهره باسيل إلى الشروع في وراثتها.

ولكن: بقيت ثغرةٌ لم يتمكّن الحزب من حلّها. طالما هو دويلة، لها مصلحة بإنهاك الدولة ذات القانون والمؤسسات المقيّدة لممارساته المليشياوية، طالما أنه هو الحاكم بأمره بالصغائر والكبائر، لماذا لا يقضي على الدولة نهائياً، وينصِّب نفسه على كرسي الحكم؟ لأن لحزب الله قانوناً غير قانون الدولة. حزب سرّي، يعيش أمينه العام في غرفة مغلقة، لا نعرف مكانها. وجمهوره لا يراه إلا خلف شاشة. حزب مليشيا، لم يُخلق، لم يتألدج من أجل حكم دولة. لم يتمرَّن على الحكم. ليس لديه مشروع سوى تحويل لبنان إلى ساحة العراك الإقليمي الإيراني الأميركي. حزب قراره ليس بيده. ربما تحتاج إيران يوماً ما أن يكون "حاكماً" بالمعنى المعروف للكلمة. لكن الآن، لا. وليس في وسع حزب الله أن يغيّر جلده. وبالتالي هو بحاجة للدولة، لتلك الخرابة، لذاك الهلاك. وهذا من شروط خدمتها له. هذه الدولة المذبوحة على يده هي، في الوقت نفسه، حاجة له: إنها الواجهة التي تخبئه عندما يحتاج التمويه. هي الشرعية "الدولية والعربية" التي تُسكت الجميع عن سلاحه وعن دويلته غامضة الأركان. هي الصفة الرسمية التي يحملها رجالاته الموزَّعون هنا وهناك على مفاصل الدولة. هي التي تنظّف، ترمّم، تجبِّر من ورائه، من حروبه، وخروقاته وتجاوزاته. ومن الفوضى العارمة التي تتسبّب بها "سياسته"، أو مشروعه الإيراني. فكانت نكْبة لبنان التاريخية على يدْيه، وأيدي خصومه وحلفائه من المنظومة.