براميل الفضاء

براميل الفضاء

20 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

يقول الخبر، المنقول عن بيان لوزارة الخارجية الروسية وبثته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، إن "وزير خارجية روسيا الاتحادية سيرغي لافروف ووزير الخارجية والمغتربين فيصل المقداد وقعا بياناً مشتركاً في موسكو ينص على ألا تكونا أول من ينشر أسلحة في الفضاء"، ويضيف إن "هذه الوثيقة باتت خطوة جديدة مهمة في إطار عولمة مبادرة دولية بشأن حظر نشر الأسلحة في الفضاء من أجل توحيد جهود الدول لمنع سباق التسلح في الفضاء الخارجي". 

يحمل الخبر الكثير من الكوميديا السوداء، لأكثر من اعتبار، بداية من فكرة ربط النظام السوري بنشر السلاح في الفضاء. فعند قراءة الخبر لا يمكن أن يخطر في الذهن بالنسبة إلى السلاح في سورية إلا البراميل المتفجرة التي يستخدمها نظام بشار الأسد في قصف المدن والأحياء المنتفضة على حكمه. سلاح كهذا هو صناعة سورية مئة في المئة، وإذا كان هناك مخطط لدى نظام الأسد لنشر سلاح في الفضاء (الفكرة بحد ذاتها تدفع إلى الضحك)، فلا يمكن أن يفكّر إلا في نشر براميل كهذه لتكون "تقدمة للبشرية" ومساهمة سورية في تطوير آلات القتل. ولعل هذا هو السبب الذي دفع روسيا إلى الطلب من النظام السوري التوقيع على مثل هذا البيان، إذ يبدو أن لديها مخاوف من أن تغزو براميل الأسد الفضاء.

إضافة إلى هذا، وما يزيد من الطابع الهزلي للبيان المشترك، هو الإيحاء بقدرات النظام السوري على غزو الفضاء، أو بامتلاكه ترسانة قادرة على أن تشكل خطراً عالمياً في حال قرر نشرها في الفضاء الخارجي، ولهذا كان لا بد من توقيعه على هذا البيان لـ"حماية البشرية" من هذه القدرات.

بعيداً عن الطابع الكوميدي لفكرة نشر السلاح في الفضاء، يمكن التوقف عند التعامل الروسي مع النظام السوري على اعتبار أنه لا يزال دولة مستقلة ذات سيادة، على الرغم من أنه خسر كل هذه السيادة لصالح حليفيه الإيراني والروسي، فلا قرار سورياً فعلياً يمكن أن يتخذه نظام الأسد من دون الرجوع إلى هذين الحليفين، وروسيا بشكل أساسي، فنظام الأسد تحول، خلال السنوات الأخيرة، إلى ما يشبه الإدارة البلدية المعطاة صلاحيات إدارة الحياة اليومية للمواطنين السوريين الذين يعيشون ضمن مناطق سيطرتها لا أكثر ولا أقل. ولهذا كان لقب "مختار المهاجرين" يطلق على رأس النظام السوري، في إشارة إلى حدود الصلاحيات الممنوحة له من قبل حليفيه. 

 مع ذلك، تحرص روسيا على الحفاظ شكلياً على هذا النظام، وإضفاء طابع الاستقلالية على قراراته، في مسعى إلى الإبقاء عليه ورقة مساومة لاحقة، سواء مع الولايات المتحدة أو تركيا. ومثل هذا البيان المشترك حول الأسلحة في الفضاء يصب في إطار الحفاظ على هذا الشكل، حتى لو كان بهذا السياق الهزلي، فروسيا تدرك أن هذا النظام لا يملك القدرة على اتخاذ أي قرار، سواء بالسلم أو الحرب، وأن قراراتٍ كهذه هي حكر على موسكو المتحكمة بأي ردة فعل سورية. والمثال على ذلك كان تعاطي النظام مع الاعتداءات الإسرائيلية الكثيرة التي تطاول الأراضي السورية، والتي يتعامل معها كأنها غير موجودة، إلا في حال قررت موسكو غير ذلك، وهو ما حدث مرة واحدة فقط في فبراير 2018، عندما أعلن عن إسقاط مقاتلة "أف 16" إسرائيلية، وذلك في رسالة أرادتها روسيا في ظل مرحلة من توتر العلاقات مع الولايات المتحدة. 

في ظل هذا الواقع، يمكن قراءة البيان المشترك الفضائي أنه محاولة احتفاء روسية بوزير الخارجية السوري الجديد، فيصل المقداد، فخلال الزيارة الأولى له إلى موسكو لم يكن هناك ما يتم بحثه مع نظيره الروسي إلا "منع الغزو الفضائي"، وهو ما كان، خصوصاً أن السياسة العامة في سورية لا يبحثها الروس مع المسؤولين السوريين، بل يبلغونها إلى ضباطهم المنتشرين هناك، بينما يقف السوريون موقف المتفرّجين.