بدوي في المدينة

04 ديسمبر 2025

(عبد القادر قرماز)

+ الخط -

لم يكن انتقال البدوي إلى المدينة مجرّد عبور جغرافي يترك خلفه بيت الشعر ويستقبل بوابة الإسمنت، ولا كان رحلة بسيطة بين صحراء مفتوحة ومدينة تزدحم فيها الأرصفة بالأنفاس؛ بل كان تحوّلاً وجوديّاً كاملاً يلامس جذور الروح، ويعيد تشكيل حواسّه ومعانيه وخطابه الداخلي، كما لو أنّه يدخل حياة ثانية لم يُعِد لها ما يكفي من التأويل أو الصبر أو الأدوات، فالمدينة، بالنسبة لمن تربّى على اتساع الرمل وصدق الريح وسكون الليل ليست مجرّد شبكة طرق ولا كتلة مبانٍ ولا ضجيجاً متواصلاً، بل اختبار حادّ لطباعه القديمة، ومواجهة مفتوحة مع نفسه في تفاصيل يومية تبدو عادية، لكنها تقضم شيئاً من ذاكرته كلما تقدّم خطوة.

كان البدوي، حين عاش في الصحراء، يستنشق الهواء بوصفه معرفة، ويتلمّس النجمة كأنها علامة طريق، ويقيس المسافة بوخزة في ساق الناقة أو بصفير الريح بين حجارة الوادي. كانت الحياة تُقرأ بالعصب، وتُفهم بالصمت، وتُدار وفق قانون غير مكتوب صنعته الطبيعة بقسوتها وجمالها. لم يحتج إلى مصطلحاتٍ كي يُعرّف معنى الشرف، ولا إلى كتبٍ ليعرف قيمة الالتزام، ولا إلى شرطي على زاوية الطريق ليحفظ حقّ جاره أو يحمي ضيفه. كان كل شيء ينمو من الداخل، قبل أن يظهر على السطح، وكانت البداوة تُعطيه هوية صافيةً كالماء النادر، ومتوترة كالريح، لا تشبه الهوية التي تمنحها المدن لأبنائها.

ثم جاء زمن المدن… لا كخيار، بل كقدر. تمدّدت الطرق، تشابكت المصالح، تكاثرت الوظائف، وظهر ما يشبه التوق الجماعي إلى الاستقرار، وكأن العالم أراد أن يطوي صفحة الترحال، كي يبدأ صفحة جديدة عنوانها "التحضّر". غير أنّ هذا التحضّر لم يكن رحلة مشتركة؛ كان انتقالاً مفاجئاً، متسارعاً، يخلط كل شيء ببعضه: القيم، العلاقات، الإيقاع، معاني الرجولة والحياء والكرم والولاء، وأدوار المرء في بيته وعشيرته ومجتمعه. تداخل ذلك كله في لحظة صارت فيها المدن جذّابة كالحلم، لكنها أيضاً موحشة كالغربة، خصوصاً لمن يأتي من عالم يتحرّك وفق نبض آخر.

هنا ظهر ما يمكن تسميته البدوي الجديد؛ رجل يعيش في المدينة، لكنه لا ينتمي إليها تماماً، يحمل ملامح البادية في لغته وطباعه ومشيته وطريقة نظرته إلى الآخرين، حتى لو ارتدى أحدث الأزياء وسكن أعلى الأبراج. يشبه من يُرفع من مكانه بقوّة ليُزرَع في أرض لا يعرف تربتها، فينبت لكنه يظلُّ مشغولاً بذاكرة الجذور. لا هو تخلّى عن البداوة، ولا البداوة تخلّت عنه، ولا هو أجاد الاندماج الكامل في نظام المدينة، ولا المدينة استوعبت روحه بما يكفي. وكأنّه يعيش بين عالميْن، من دون أن يمنحه أحد ترف الاختيار أو فرصة البطء.

ولذا كانت العلاقة بين البدوي والمدينة علاقة معقدة؛ المدينة تُغرِيه بالفرص، لكنه يشكّ في كثرة الأبواب. المدينة تمنحه الاستقرار، لكنه يخاف أن يفقد يقظته. المدينة تحميه بقوانينها، لكنه يحنُّ إلى شفرة القبيلة. المدينة تعِده بالراحة، لكنه لا ينسى قيمة التعب. المدينة تجعله فرداً، بينما تعلّم من الصحراء أن قوته من الجماعة. المدينة تُغريه بالمال، لكنه يخشى الثمن الروحي لهذا الثراء.

وهكذا ينشأ التوتر؛ تلك المنطقة الخفية بين ذاكرة الرمل وضجيج الإسفلت، بين صوت الناقة في آخر الليل وصوت المنبّه عند شروق الشمس، بين هدوء الصحراء الذي يُربّي الشجاعة، وصخب المدينة الذي يربّي الحذر. تلك المنطقة التي تجعل البدوي، حين يجلس في مقهى حديث، يتذكّر إناء اللبن الذي كان يشربه من يد أمه، أو فنجان القهوة في مجلس والده حين يوزّع المهام على الشباب قبل رحلة طويلة، أو صوت شاعر من القبيلة يستعيد حادثة عاشها قبل 30 عاماً. تلك المنطقة التي تجعل لغته تحتفظ بخشونة معينة، مهما حاول أن يخفف حدّتها، وتجعل قلبه يظلّ معلَّقاً بشيءٍ لا يعرف كيف يشرحه، لكنه يعرف أنه يفقده ببطء كلما طالت إقامته في المدينة.

والمدينة، بطريقتها الصارمة، ليست متسامحةً بما يكفي مع هذه الفروق الدقيقة، فهي تفرض على المرء أن يتحرّك وفق إيقاعها، أن يتعلّم القوانين بسرعة، أن يُخفي لهجته حين يلزم، أن يُعيد تعريف معنى المكان، وأن يعيد قراءة نفسه بطريقة مختلفة. وهنا يبدأ صراع الهوية؛ هل يستطيع البدوي أن يصبح ابن مدينةٍ بلا ألم؟ وهل يستطيع أن يحافظ على ذاته القديمة من دون أن تتآكل بفعل الحداثة وتسارع الزمن؟ وهل البداوة مجرّد ذكريات، أم أنها بُنية نفسية لا يمكن اقتلاعها من دون ثمن؟

ليس هذا المقال محاولة للعودة إلى الصحراء، ولا لتجميلها، ولا لانتقاد المدينة. بل هو محاولة للاقتراب من هذا الكائن الهجين؛ البدوي الذي عاش يوماً في بادية مفتوحة، ثم وجد نفسه في مدينةٍ تخفي نفسها خلف واجهات زجاجية.

بحث في طباعه، قيمه، مخاوفه، لغته، طرق تكيفه، أحلامه، وحنينه الذي يتجول معه مثل ظلّ لا يفارقه. وبحث في السؤال العميق الذي ظلَّ بلا جواب؛ لماذا يبقى البدوي بدوياً حتى بعد أن يسكن فيلا حديثة أو في الطابق العشرين من ناطحة سحاب؟

وماذا يعني ذلك لنا، وللمدن، وللمستقبل الذي يتشكل بسرعة تفوق قدرة المرء على استيعاب ملامحه؟

هنا محاولة للإنصات، لا للحكم. محاولة لفهم التحوّل، لا لتبريره. محاولة لرؤية البدوي في المدينة كما هو؛ إنسانٌ يعبر الزمن حاملاً إرثاً قديماً، يحاول أن يثبّته في عالم لا يتوقف عن التغيّر.

CC19B886-294F-4B85-8006-BA02338302F0
سعدية مفرح

شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية، من مجموعاتها الشعرية "ليل مشغول بالفتنة" و"مجرد امرأة مستلقية"، ولها مؤلفات نقدية وكتب للأطفال. فازت بعدة جوائز، وشاركت في مهرجانات ومؤتمرات عدة.