بحث في عقل فيليب باتيست
وزير التعليم العالي والبحث العلمي الفرنسي فيليب باتيست في باريس (13/10/2025 Getty)
عبثاً تحاول العثور على سيرة سياسية بالمعنى المتعارف عليه للسياسة في شخص وزير التعليم العالي والبحث العلمي في فرنسا فيليب باتيست، الذي قاد حملة ضغط دفعت "كوليج دو فرانس"، المؤسسة الفكرية الأعرق في هذا البلد، إلى إلغاء استضافة مؤتمر "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة" غداً وبعد غد، مع أن المؤتمر العلمي ــ الأكاديمي من تنظيم كرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في "كوليج دو فرانس" نفسه، و"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" - فرع باريس.
لا أثر لانتماء باتيست يوماً إلى حزب سياسي طوال سنوات عمره الـ53. كلما بحثت عن مساره المهني، وجدت عدداً إضافياً من الشهادات العلمية التي قد تثير شهية جماعة "العلوم البحتة"، فهو دكتور في المعلوماتية ومتخصّص في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والخوارزميات والرياضيات المعقّدة كالـCombinatorial optimization، وهي مهارات أهّلته إلى تولي أرفع المناصب في أكبر الشركات مثل بويغ وتوتال وآي بي أم، مسؤولاً عن قطاعات الأبحاث عندهم، وأستاذاً للمعلوماتية في جامعة بوليتيكنيك الفرنسية المعروفة، عاصمة أصحاب الأدمغة الثقيلة في الفيزياء والرياضيات والعلوم المشتقة عنهما، ثم رئيساً للمركز الوطني للدراسات الفضائية (CNES) المهجوسة بأن تكون لدى فرنسا نسختها الخاصة من شركة "سبايس أكس" ووكالة ناسا الأميركيتين، قبل أن يبدأ إطلالاته على القطاع العام منذ 2017 ويتسلم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي منذ عام 2024.
لكن من جدّ وجد، لو بعد حين، وعثر على هوية سياسية يجهد باتيست العالِم لإخفائها، على غرار كثر من أهل الفيزياء والكيمياء وعلوم الكم والرياضيات والذكاء الاصطناعي على أساس أنهم "تكنوقراط أسمى من السياسة" التي تفرّق ولا تجمع وتضيّع الوقت وفق عقيدتهم السياسية للغاية. وللأمانة، الرجل صاحب فضل في إنكار دعاية اليمين المتطرف التي بلورت "نظرية" اسمها "مؤامرة اليسار الإسلامي" داخل الجامعات الفرنسية، يحرّكها حزب فرنسا الأبية. فقد أشعل باتيست في يوليو/ تموز الماضي غضب عائلة اليمين برمّتها عندما قال لصحيفة لوفيغارو، اليمينية، إن "لا شيء اسمه يسار إسلامي"، فذلك لا يستوي معرفياً ولا سياسياً، من دون أن يُخفي كرهه اليسار وحزب فرنسا الأبية الذي "يحرّك خلايا في الجامعات لمحاولة إشعال النار (أمنياً وسياسياً) فيها". إذاً الأمن مركزي في تفكير العبقري العلمي، وهذه سمة متوارثة في الخريطة الجينية لأي يميني في العالم: الهوس بالأمن وطرحه دواءً لكل علّة على طريقة الاستعانة بالماورائيات والخرافات لتفسير ما يعجز عقل عن استيعابه. وإيماناً منه بالأمن أولاً، طرح الوزير في يوليو 2025 مشروع قانون مكافحة معاداة السامية داخل الجامعات، وكأنّ ذلك تعويض لليمين واليمين المتطرّف عن إنكاره في الشهر نفسه وجود شيءٍ اسمه "يسار إسلامي" داخل كليات التعليم العالي، وهو مصطلح عرف رواجه في السياق الفرنسي تحديداً من أجواء تضامن اليسار مع الفلسطينيين والمهاجرين والملوّنين والمهمشين. ومن يمسك طرف خيطٍ يتمكّن من فهم مركزية الأمن والإخلال بالنظام العام في التركيبة الفكرية لباتيست لدى تبرير ضغطه على إدارة "كوليج دو فرانس" لتسحب استضافتها مؤتمر فلسطين وأوروبا، "غير المتوازن سياسياً" بحسب الوزير إياه، وهو لو كان عقله غير محصور في العلوم البحتة الجافة، لفهم ربما أن "البحث الأكاديمي لا يُفترض أن يكون متوازناً سياسياً" مثلما نبّهه إليه البيان المشترك الصادر أول من أمس الاثنين عن كرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في "كوليج دو فرانس"، والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فرع باريس.
في هذه الأيام، يحصل أن يصبح أسمى طموحات شخص غير فرنسي مثل كاتب هذه الأسطر، أن يتمكن منظّمو مؤتمر "فلسطين وأوروبا" من العثور على قاعة مناسبة لعقد ندواتهم الفكرية في باريس، نكايةً بفيليب باتيست أولاً، ولنستمع إلى كلام مفيد ثانياً.