بايدن وفرص إنهاء الحرب في اليمن

09 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

أثناء حملته الانتخابية، تعهّد المرشح الرئاسي جو بايدن بـ"إعادة تقييم" علاقة الولايات المتحدة بالرياض التي تمتعت، على الرغم من إثارتها غضب مشرّعي الكونغرس بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، بعلاقةٍ وثيقة مع إدارة الرئيس ترامب الذي حافظ عليها، على الرغم من الانتقادات على دعمه السعودية التي شكّلت مع إسرائيل دعامة لسياسته ضد إيران، واستخدم في عام 2019 حق النقض ضد قرار للكونغرس، إنهاء المساعدة العسكرية الأميركية، بالإضافة إلى إجراءات أخرى لوقف مبيعات أسلحة إلى السعودية والإمارات، بقيمة ثمانية مليارات دولار.
منذ توليه منصبه، الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني)، رئيسا للولايات المتحدة، ضغط بايدن وإدارته لوقف مبيعات الأسلحة إلى كل من أبوظبي والرياض. وفي أول خطاب له، بوصفه رئيسا، بشأن السياسة الخارجية، الخميس الماضي، أعلن إنهاء كل الدعم الأميركي للعمليات الهجومية التي يشنّها التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، بما في ذلك مبيعات الأسلحة ذات الصلة، لكنه أكد أن إدارته ستواصل بيع الأسلحة للسعودية لأغراض دفاعية، وأنها ملتزمة بالدفاع عنها. ولم يوضّح بايدن الحدود الفاصلة بين الدفاع والهجوم، ويبدو أنه تعمد إبقاءها ضبابية، ولم يوضّح إلى أي حد ستبقى مساعدة السعودية حين "تواجه هجمات صاروخية وهجمات أخرى من قوات تدعمها إيران في دول عدة"، بحسب تعبيره، ضمن حدود الدفاع الذي قد لا تدفعه تطورات المعركة ليصبح هجوما، فلطالما قالت السعودية إن حربها في اليمن دفاعية ضد تجاوزات الحوثيين المدعومين من إيران.

قدّرت الأمم المتحدة، أخيرا، أن حوالي 233 ألف شخص لقوا حتفهم منذ بدء القتال في اليمن، معظمهم لأسباب غير مباشرة

الدعم الأميركي لحرب السعودية في اليمن سابق على إدارة ترامب، فمنذ 2015 دعمت إدارة الرئيس باراك أوباما، التي شغل فيها بايدن منصب نائب الرئيس، التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين. وخلّفت سنوات الحرب كارثة إنسانية، وقدّرت الأمم المتحدة، أخيرا، أن حوالي 233 ألف شخص لقوا حتفهم منذ بدء القتال، معظمهم لأسباب غير مباشرة؛ مثل نقص الغذاء والماء والخدمات الصحية. وفي الوقت نفسه، يحتاج حوالي 24 مليون يمني آخر إلى المساعدة للبقاء على قيد الحياة، والحماية من الأمراض، سيما الكوليرا. وتتضاءل أهمية إعلان بايدن عن إنهاء الدعم الأميركي العسكري للسعودية، إذا علمنا أن هذا الدعم قد تمّ تقليصه عمليا منذ إدارة ترامب التي أوقفت، العام 2018، بضغط من الكونغرس، تزويد الطائرات السعودية التي تقاتل الحوثيين بالوقود الجوي. ولا يبدو الإعلان أكثر من خطوة رمزية؛ حيث يلعب الجيش الأميركي حاليًا دورا محدودا في الصراع، يقتصر على مساعدة التحالف بتوجيه قواته وتدريبها على تقليل الخسائر في صفوف المدنيين، وتبادل بعض المعلومات الاستخبارية المتعلقة بالدفاع عن المملكة.
لن تكون واشنطن خارج الحرب تماما، إذ لا يتوقع أن تتوقف القوات الأميركية عن توجيه ضرباتها للمجموعات الإرهابية داخل اليمن، سيما التابعة لـ"القاعدة" و"داعش"، والتي ينظر إليها على أنها لا تزال تشكّل تهديدا مباشرا للأمن القومي الأميركي. ولن تحلّ سياسة بايدن بشأن اليمن الأمور في المدى القصير، ولن تكون كافيةً، مهما بدت خطوة حكيمة تنسجم وأهداف بايدن المعلنة في استعادة الدور القيادي للولايات المتحدة في الشؤون الدولية، ومع مصالح الولايات المتحدة في الحفاظ على أمنها القومي؛ خصوصا أن مسؤولي وزارة الدفاع (البنتاغون)، في السنوات الأخيرة، قد حذّروا غير مرّة من أن أيا من طرفي الصراع لن يربح حرب اليمن، ما يرجّح تحوّلها إلى صراع إقليمي تجد الولايات المتحدة نفسها متورّطة فيه.
لا يزال الاستقرار في اليمن بعيد المنال، ونجاح مهمة تيم ليندر كينغ، المعيّن حديثا من بايدن ليقود الدبلوماسية الأميركية في اليمن، من أجل التوصل إلى اتفاق سياسي أمر مشكوك فيه. أما رغبة الولايات المتحدة في دعم الجهود المبذولة لمحاسبة المتورّطين من أطراف النزاع في انتهاكات لحقوق الإنسان، وغيرها من جرائم حرب، والتعويض على الضحايا، فهي على المحكّ، لكونها تتعارض وسبل إقناع تلك الأطراف بالجلوس إلى طاولة الحوار.

اضطرت إدارة بايدن، تحت ضغط دولي، إلى تعليق مؤقّت لقرار تصنيف الحوثيين "منظمة إرهابية" الذي استصدرته إدارة ترامب أواخر أيامها

علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن الصراع السعودي الإيراني في اليمن بات يحجب خلفه صراعات يمنية ــ يمنية عديدة، قد تعود إلى الواجهة بحدّة، كما أن إنهاء الدعم العسكري للسعوديين قد يدفع الحوثيين إلى تعزيز سلطتهم، سيما مع استمرار سيطرتهم على العاصمة صنعاء، واستيلائهم على مزيد من الأراضي، ولن يكون لديهم حافز كبير للتفاوض من أجل السلام، ما دام استمرار القتال لفترة أطول يعزّز من أوراقهم التفاوضية في المحادثات المستقبلية. وقد اضطرت إدارة بايدن، تحت ضغط دولي، إلى تعليق مؤقّت لقرار تصنيف الحوثيين "منظمة إرهابية" الذي استصدرته إدارة ترامب أواخر أيامها، حين لم يعد من خيار أمام المنظمات الإنسانية سوى التعامل مع الحوثيين لإيصال المساعدات إلى سكان المناطق الخاضعة لسيطرتهم. ولن تكون صفقة إبقاء الحوثيين في السلطة عبر التفاوض موضع ترحيب قسم كبير من اليمنيين يتهمون الحوثيين بارتكاب مجازر في حقهم.
لم يركّز بايدن في خطابه على إيران، ولا على الاتفاق النووي (العام 2015) الذي أعلنت إدارة ترامب الانسحاب منه، لكنه على مفترق طرق بشأنه. وعليه، في غضون الأشهر القليلة المقبلة، أن يقرّر سبل إحياء هذا الاتفاق، لذا يمسك العصا من المنتصف بإعلانٍ لا يغيّر كثيرا من الناحية العملياتية، لكنه بادرة حسن نية تجاه إيران قبل مفاوضاتٍ معقّدة معها، مع ضمان أقل الاعتراضات من حلفائه الاستراتيجيين في الخليج. ملف المفاوضات النووية وحرب اليمن مترابطان، وكلاهما قد يفوق الآخر تعقيدا.