بايدن والمسألة المصرية

12 نوفمبر 2020
الصورة

بايدن في محادثات مع مبارك في شرم الشيخ (7/6/2010/فرانس برس)

+ الخط -

تناولت مقالة سابقة لصاحب هذه السطور، نشرت عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية، وتنبأت بنجاح المرشح الديمقراطي جو بايدن، "الانتخابات الأميركية: إلى أين يتجه النظام العالمي" (العربي الجديد، 3/11/2020)، تناولت انعكاسات ذلك على المنطقة العربية وأنظمتها. وتحاول هذه المقالة الحالية أن تتناول شكل العلاقة التي ستكون بين الإدارة الأميركية الجديدة والنظام المصري ومحدّداتها. وقبل الدخول في توصيف شكل هذه العلاقة وما ستكون عليه بين الطرفين، علينا أن نتفق على أمرين: أن الحليف الأساسي للأميركيين هو المؤسسة العسكرية المصرية، بغض النظر عن الرئيس الموجود في السلطة، وأن العلاقة المصرية الأميركية في الأساس ثلاثية، طرفها الثالث إسرائيل. 

بعد إعلان فوز بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية، علق نشطاء سياسيون ومحللون عديدون آمالا كثيرة على هذا الفوز، ورأوا أن بايدن سيطيح الرئيس المصري الحالي، عبد الفتاح السيسي، ويخرج المعتقلين ويعيد المنفيين من الخارج. ولكن الحقيقة أن هذا لن يحدث. أو بمعنى آخر، لن يكون بايدن قادرا على فعله، ولكن كيف سيتعاطى بايدن مع حدوث أي حراك شعبي في مصر إذا ما حدث مستقبلا، وهل سيستغل المصريون هذا التغيير في الإدارة الأميركية الجديدة؟ وسيكون هذا لو حدث مشروطا بموقف المؤسسة العسكرية، وهي الجهة الوحيدة الآن في مصر القادرة على إحداث التغيير وإطاحة الرئيس الحالي من السلطة لأنها هي التي أتت به. 

كيف سيتعاطى بايدن مع حدوث أي حراك شعبي في مصر إذا ما حدث مستقبلا، وهل سيستغل المصريون هذا التغيير في الإدارة الأميركية الجديدة؟

معنى عودة الديمقراطي بايدن إلى البيت الأبيض أن خطاب حقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية، أو ما يسمى نشر الديمقراطية، سيعود مجدّدا إلى أجندة الرئيس الأميركي بعدما توارى أربع سنوات من أجندة ترامب. وعودة خطاب حقوق الإنسان معناه أيضا عودة الانتقادات الغربية، وبقوة، لتدهور الوضع الإنساني في مصر، وبالتالي، فتح المجال أكثر أمام الحقوقيين والمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان، لتمارس انتقاداتها بشكل أوسع، ولهذا دلالتان: الأولى انتهاء الغطاء السياسي الذي منحه ترامب للنظام المصري، ووصفه للرئيس المصري بأنه ديكتاتوره المفضل، ما كان بمثابة الضوء الأخضر في أن يمارس السيسي ما يحلو له من قمع وتنكيل بالمعارضين لحكمه. والآن، مع عودة خطاب حقوق الإنسان إلى أجندة الرئيس الأميركي المنتخب، وانكشاف الغطاء السياسي، فإن القمع لن يمر بسهولة كما كان يمر من قبل، وستكون له كلفة على الصعيدين، الدولي والمحلي. وهنا قد يطرح سائل سؤالا: كيف هذا، وقد حدث الانقلاب العسكري والمجازر في عهد الإدارة الأميركية التي كان فيها بايدن نائبا للرئيس أوباما. صحيحٌ أن هذا الأمر قد حدث، لكن الوضع الإقليمي حينها كان مختلفا عما هو عليه الآن. كان الوضع الإقليمي أكثر تماسكا وكان للسعودية ثقلها الإقليمي الذي وضعته في مساندة الانقلاب، من خلال وجود الملك عبد الله في السلطة وما يمثله من ثقل دولي. في المقابل، كانت الجبهة الداخلية (أطياف المعارضة المدنية) متفقة في ما بينها ومتحالفة مع المؤسسة العسكرية في إطاحة الإخوان المسلمين من السلطة. ولم تكن مصر في الوقت ذاته محاصرة بتلك الأزمات الإقليمية المرعبة، كما هو الوضع في إثيوبيا ومشكلة سد النهضة، والوضع المتدهور في سيناء، وتردّي الأوضاع في ليبيا، إلى جانب الأزمات الاقتصادية التي تضرب الاقتصاد المصري الذي أصبح مثقلا بالديون. 

ليست لدى بايدن أي تحفظات أيديولوجية في التعامل مع التيارات الإسلامية، خصوصا الإخوان المسلمين

بمجرد أن كشفت بعض وسائل الإعلام عن تحقيق بايدن التقدّم في النتائج الأولية للانتخابات، بادر النظام إلى الإفراج عن بعض المعتقلين، وكأنها مبادرة إعلان حسن نيات، ودليل على أن النظام قد يبادر بتحسين الوضع المتعلق بحقوق الإنسان، والإفراج عن بعض المعتقلين. ولكن حتى لو فعل النظام المصري ذلك، هناك مسألتان لا بد من حلهما. تتعلق الأولى بعمل منظمات حقوق الإنسان في مصر، وقانون المنظمات الذي أصدره النظام، ومن خلاله استطاع تقييد الحركة الحقوقية، وعدم شرعنة أي عمل تتم ممارسته من خلاله، إلى جانب منع حقوقيين عديدين من السفر، وفرار بعضهم إلى المنفى. السؤال الآن: كيف سيتعاطى النظام المصري مع هذه المسألة؟ 

تبقى المسألة الأخرى، وهي معتقلي الإخوان المسلمين، وهو ما يطرح علاقة الإدارة الأميركية الجديدة بالإخوان المسلمين، وستكون هذه أكبر نقاط الخلاف بين النظام المصري والإدارة الأميركية. وهذا ما يجعلنا نفهم سبب الهجوم الذي قام به إعلام النظام ضد المرشح الديمقراطي بايدن، واتهامه بأنه حليف الإخوان، وأنهم يدعمونه. 

انتهاء الغطاء السياسي الذي منحه ترامب للنظام المصري، ووصفه السيسي بأنه ديكتاتوره المفضل

ليست لدى بايدن أي تحفظات أيديولوجية في التعامل مع التيارات الإسلامية، خصوصا الإخوان المسلمين، وبالتالي الانفتاح والتحاور معهم. وهنا نتذكر الحوار الذي أقامته الإدارة الأميركية المتشددة الحالية مع حركة طالبان، ما ينبئ بدخول الإدارة الجديدة مع الإخوان المسلمين في حوار. ولكن لا بد من الإشارة إلى أن إقامة حوار مع الإخوان المسلمين لا يعني أبدا السماح لهم بالصعود للسلطة في مصر، في ظل عدم حسمهم قضايا تتعلق بهوية الدولة، والأقليات، وما يسمى التجديد الإسلامي ومسألة الشريعة وعلاقتها بالدولة. وفتح قنوات حوار مع جماعة الإخوان المسلمين سيجعل من المستبعد أن تستجيب إدارة بايدن للضغوط التي قد يمارسها عليها النظام المصري، وحلفاء إقليميون له، لتصنيف الإخوان جماعة إرهابية، ولا سيما أن ترامب ذاته لم يتمكن من تنفيذ هذه الخطوة، على الرغم من حماسته لها، بسبب التعقيدات التي يمكن أن يتركها مثل هذا القرار على علاقات واشنطن بدول عربية وإسلامية، تشكل الحركات ذات الصبغة الإخوانية فيها مكونا أساسيا لا غنى عن التواصل معه، بالإضافة إلى التعقيدات المتعلقة بتأثير ذلك على المسلمين الأميركيين، وبعض مؤسسات المجتمع المدني الأميركية ذات الصبغة الإسلامية.

تبقى نقطة أخرى تتعلق بالانتخابات المصرية التي ستحدث في 2024. كيف ستتعاطى الإدارة الأميركية مع تلك الانتخابات، من حيث شكل المنافسة وسير العملية الانتخابية وغير ذلك. هذا سؤال ستجيب عنه السنوات المقبلة، من خلال السياسة التي ستتبعها إدارة بايدن مع النظام المصري.