بايدن والحرب على المليشيات في العراق

بايدن والحرب على المليشيات في العراق

01 يوليو 2021
الصورة

قائدا جبهة الفتح (يمين) والحشد الشعبي (يسار) في جنازة رمزية ببغداد (29/6/2021/فرانس برس)

+ الخط -

في ثاني عملية عسكرية بأمر مباشر من الرئيس الأميركي جو بايدن، منذ توليه السلطة قبل ما يناهز الستة أشهر، قصفت طائرات إف 15 وإف 16 مراكز سيطرة وتحكّم وتشغيل، ومستودعات للصواريخ والطائرات المسيرة، تابعة لفصائل مليشياوية عراقية موالية لإيران في منطقة البوكمال العراقية على الحدود مع سورية، منتصف ليل 27 يونيو/ حزيران الماضي، رداً على هجمات متكرّرة لهذه المليشيات على القواعد والمصالح الأميركية في العراق، وخصوصاً الهجمات أخيرا باستخدام طائرات بدون طيار، سبّبت مصدر قلق للقيادات العسكرية الأميركية بسبب قدرة هذه الطائرات على إصابة أهدافها والإفلات من الدفاعات التي يستخدمها الجيش الأميركي للدفاع عن قواعده ومنشآته ضد القصف الصاروخي المتكرّر لهذه المليشيات.

ومع ما أحدثته هذه الغارات من موجات غضبٍ عارمة للمليشيات، وقيادات الحشد الشعبي في العراق، وانتقادات إيرانية لاذعة، إلا أن الرئيس بايدن دافع عن قراره، وقال خلال استقباله الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين في البيت الأبيض، بعد يوم من الغارة: "أمرت بتوجيه ضربات جوية، استهدفت المواقع التي تستخدمها المليشيات المدعومة من إيران والمسؤولة عن الهجمات أخيرا على الأميركيين في العراق". وأضاف "لدي السلطة بذلك، بل حتى الذين يتردّدون في الاعتراف بالأمر اعترفوا به". واللافت في تصريحات الرئيس ربطه موضوع الغارات بتعهده منع إيران من امتلاك أسلحة نووية طوال فترة رئاسته. وقال "إيران لن تحصل على سلاح نووي في عهدي"، كما أن هذه الضربات تأتي بعد يومين من تحذير واشنطن وباريس إيران من أن الوقت ينفد أمام العودة إلى الاتفاق النووي، وأن القلق يزداد من أن أنشطة طهران الذرية الحسّاسة قد تتطور في حال طال أمد المفاوضات.

تنسّق مليشيا الحشد الشعبي كل فعالياتها ومناهج تدريبها وعملياتها وخريطة توزيع قطعاتها مع الحرس الثوري الإيراني

ويربط محلّلون بين فوز الرئيس الإيراني المتشدد إبراهيم رئيسي خلفاً للرئيس حسن روحاني، وتوجيه فريقه المفاوض بالتشدّد في المفاوضات، للحصول على أكبر قدر من المكاسب ومن التنازلات التي قد تمنح لإيران خلال مفاوضات فيينا، وإظهار الرئيس بايدن حزمه في تقليص أدوار إيران في العراق وسورية من خلال لي أذرعها فيهما، وخصوصا في العراق؛ هذه الأذرع التي تتخذ من التجربة الأفغانية نموذجاً لها، وتعتبر أن استمرار التعرّض للمصالح الأميركية في العراق سيفضي إلى إجبار واشنطن على التعامل معها قوة فاعلة على الأرض، والاتفاق على مستقبل بقاء قواتها من خلالها.

وتعلم واشنطن أن المليشيات الولائية في العراق تستخدم لطرد قواتها من العراق الذي لا ولن تفكر مطلقاً بالانسحاب منه، والإقرار بتسليمه على طبق من ذهب إلى طهران. لذلك بدأت أصوات دبلوماسيين أميركيين كثيرين متخصصين بالشأن العراقي والإيراني مع أصوات قادمة من قادة الجيوش والأسلحة الأميركية ذوي الخبرة في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط، إضافةً إلى تقارير المخابرات الأميركية، بمطالبة الرئيس بايدن باتخاذ خطوات حازمة وقوية تظهر قدرات الولايات المتحدة تجاه إيران وأتباعها في العراق.

مؤسسة الحشد الشعبي في العراق، والتي تنطوي تحت إمرتها غالبية المليشيات هناك، وعلى الرغم من أنها تتبع للقائد العام للقوات المسلحة العراقية، رئيس الوزراء، إلا أنها تنسق كل فعالياتها ومناهج تدريبها وعملياتها وخريطة توزيع قطعاتها مع الحرس الثوري الإيراني؛ وهو ما يبرّر ضعف العلاقة وضبابيتها بينها وبين رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، على الرغم من محاولة الأخير إبقاء جسور الود قائمة، إلا أن قيادة "الحشد" وبعض قادة المليشيات ترى أن الكاظمي ينفذ مشروعاً أميركياً يهدف إلى تقليص دور المليشيات، وصولاً إلى جعل الجيش العراقي، وبقية القوات النظامية الأخرى، الممثل الرسمي والرئيسي لقوات جمهورية العراق المسلحة التي يمكن ضبطها وفق السياقات العسكرية المتعارف عليها.

قيادة الحشد الشعبي وبعض قادة المليشيات ترى أن الكاظمي ينفذ مشروعاً أميركياً

من رسائل الضربات الجوية ليلة 27 يونيو/ حزيران إلى إيران "لا يمكنكم التصرّف بعدوانية من دون عقاب"، "التأكيد على استعداد الأميركيين للرد على أي استهداف لهم"، "تزامن الضربات مع لقاءاتٍ على أعلى مستوى بين إدارة بايدن والحكومة الإسرائيلية"، "العودة إلى الاتفاق النووي لا تعني الانسحاب من الشرق الأوسط، أو إعطاء طهران ووكلائها ضوءاً أخضر ليفعلوا ما يشاؤون"، والأهم "قواتنا ستردّ على أي ضربات بقوة وبحزم، ويجب أن تعرف طهران ذلك".

العراق الذي يعاني من اختلال موضوع السيادة الوطنية فيه، بسبب التدخلات الإقليمية المتعدّدة بشؤونه، ومع وجود قوات الحشد الشعبي التي باتت مصدر قلق وتوتر في كل المناطق الموجودة فيها، ليس لسكان هذه المناطق وحسب، بل لهيبة الحكومة العراقية وقواتها المسلحة، بات من الضروري إيجاد خريطة طريق لمعالجة ملف بقائه ضمن تشكيلات القوات المسلحة العراقية. ويرى كثيرون أن وقت حل هذه المؤسسة قد حان منذ فترة ليست قصيرة، تمتد إلى ما بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابي عام 2017، وأن ضغوطاً يجب أن تُمارَس من رئاسة الوزراء لإقناع المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني بسحب فتواه الخاصة بالجهاد الكفائي لمحاربة "داعش" بسبب زوال أسباب هذه الدعوة، وبسبب إستغلال هذ القوات في تكريس الطائفية، وتنفيذ برامج التغيير الديمغرافي. والأهم ممارسة دور الحرب بالوكالة عن إيران مع القوات والمصالح الأميركية والأجنبية الغربية في العراق.