بانشير - درعا وبالعكس

بانشير - درعا وبالعكس

06 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

لدغت ثورة درعا من الجحر الروسي في العام 2018، حين صدقت أن احتلالًا همجيًا، استدعاه نظام أكثر همجية للحرب على شعبه، يمكن أن يكون وسيطًا ضامنًا لاتفاق هدنة، بين القاتل والمقتول. لكن ذلك لم يمنع من أن يتلقّى الثوار لدغة أخرى من الجحر ذاته، بعد ثلاث سنوات، حين وثقوا في جدارة هذا المحتل لعقد اتفاقية تهدئة بينهم وبين النظام، لم تصمد سوى أيام معدودة، تمكّن فيها نظام الأسد من اختراق حصون مدينة الثورة، وتجريدها من سلاحها، ومحاصرتها، وها هو يتأهب لتنفيذ جريمة إبادة جماعية جديدة بحق أهلها، على غرار جرائمه السابقة في مختلف المدن السورية.
في يوليو/ تموز 2018 كانت محادثات بين ثوار درعا مع الضباط الروس، قد تمت، بوساطة أردنية أعادت المعارضة إلى طاولة المفاوضات مع ضباطٍ روسٍ للتوصل إلى اتفاق نهائي ينهي القتال ويسلم محافظة درعا لسيطرة النظام. الذي حدث وقتها أن المسألة لم تكن أكثر من استدراج المعارضة إلى فخ التهدئة، لكي تتمكّن قوات الاحتلال من توجيه ضرباتٍ أكثر عنفًا، تمكّن النظام التابع له من السيطرة على المدينة العصية على الانكسار.
هذه المرّة، قرّرت روسيا الاستثمار في الفراغ الناشئ عن انشغال الجميع بما يدور في أفغانستان، حيث المجتمع الدولي غارقٌ حتى أذنيه في موضوع "طالبان"، كما أن جيران سورية وأشقاء الشعب السوري منهمكون في كتابة القصائد في "الانتصار الطالباني على الإمبراطورية الأميركية"، ثم دغدغة العواطف بأن ما حدث لواشنطن وعملائها في أفغانستان سوف يتكرّر مع موسكو ورجلها الأليف في الشام.
وحين تم الإعلان عن اتفاق الهدنة بين روسيا وثوار درعا، اندلعت المقارنات وفارت الأحلام في الرؤوس، بأن درعا على درب "طالبان"، وسيُهزم الفرس والروس في بلاد الشام، كما انهزم الروم والأميركان في بلاد خراسان. .. تلك اللحظة المشحونة بكل الأحلام والأوهام المحلّقة فوق السحاب، ربما كانت عنصرًا مساعدًا في نجاح الدب الروسي في اصطياد درعا مجدّدًا، إلى غرف التفاوض، حتى تمكن من تقييد وثاقها، لكي تكون جاهزةً للذبح بسكّين نظام الأسد، في ظل انشغال العالم بحكايات "طالبان" وحروبها في وادي بانشير. 
هل بالإمكان قياس الحالة السورية على الحالة الأفغانية؟ وهل يمكن نسج أحلام بخلاص الشعب السوري من إجرام النظام، المدجّج بالدعم الإيراني غير المحدود، والاحتلال الروسي الصريح، باستلهام على ما أنجزته حركة طالبان الأفغانية، من انتصاراتٍ عسكرية، بأسرع مما يحدث في ألعاب البلاي ستيشن؟
الشاهد أنه لا وجه للمقارنة بين الحالتين، لا على مستوى الموضوع، أو على مستوى الشكل، ذلك أن درعا ليست كابول، وروسيا ليست أميركا، كما أن ثوار سورية ليسوا مجاهدي طالبان. ومن ثم افتراض أن تكرار اللحظة الأفغانية على الأراضي السورية هو نوع من أحلام اليقظة، أو ممارسة المراهنات الكسول على تجارب مختلفة.
ثوار درعا، وسورية كلها، لم يحملوا السلاح طوعًا، بل أجبرتهم وحشية النظام على ذلك، بعد أن فعلت كل ما يمكن فعله لكي تتحوّل الثورة من انتفاضة شعبٍ حالمٍ بالتخلّص من الطغيان والاستبداد إلى حركة مسلحة، ليبدو الأمر، في نهاية المطاف، وكأن سلطة نظامية تحارب جماعاتٍ مسلحة تسعى إلى الانفصال، وهذه هي الخلطة السحرية لاستجلاب الاحتلال الأجنبي، تحت مسمّى دعم الأصدقاء لكيلا تنهار الدولة. وبهذه الطريقة، دخلت موسكو، كما سبقتها طهران، طرفًا في الحرب على الشعب السوري، بحجّة حماية الحدود الديموغرافية للدولة السورية.
أيضًا، حركة ثوار درعا لم تتشكّل طبقًا لمواصفات أحد القطبين، ولم تتسلّح من ترسانته للاستخدام في محاربة القطب الآخر، حتى أنجزت مهمتها واستقرّت في السلطة، إلى أن قرّر القطب الكبير الذي رعاها ودعمها معاقبتها والتخلّص منها، وفرض حكومةً بديلةً تدين له بالولاء، عشرين عامًا، ثم انتهى الأمر بهذا القطب أن استشعر أن كلفة الحكومة التابعة له أكثر فداحةً بمراحل من كلفة عودة الحركة المطرودة، فقرّر التفاوض مع الأخيرة، حتى عادت مجدّدًا تلتهم الأولى التهامًا، في ظل صمت ورضا كاملين من القطب الأميركي.
الثورة السورية ولدت ابنة شرعية لأحلام الشعب السوري وآلامه، خرجت إلى النور فوجدت نفسها بمواجهة عدوان ثلاثي (النظام القمعي - إيران وتوابعها - روسيا) بالإضافة إلى تواطؤ دولي، اتخذ أشكالًا عديدة من الخذلان للحقوق المشروعة لشعبٍ يسعى إلى التحرّر من الاستبداد، المحمي بالتدخل الأجنبي.
ثورة درعا تواجه ترسانة القطب الثاني (روسيا) الذي نشر قواته على الأراضي السورية، وساعد النظام في تنفيذ المجزرة تلو الأخرى بحق الشعب، ولم تكن علاقتها به في أي يوم مثل علاقة "طالبان" بواشنطن، ومن ثم تبقى الاستجابة لمبادراته ووساطاته بينها وبين نظام الأسد من أشكال الاستسلام للفناء والإبادة.