بالإذن من العقائد الكبرى

بالإذن من العقائد الكبرى

29 نوفمبر 2021
الصورة

(يوكو كيمورا)

+ الخط -

مَن لا يرى أن البشرية تواجه خطر الزوال، عليه إزالة الغشاء سريعاً عن عينيه ومواجهة الحقيقة بكل قساوتها وصعوبة تصوّرها. منذ ولادة العصر الصناعي والأرض تستغيث، فيأتيها الجواب في كل مرة على شكل المزيد من استغلال عناصر الطبيعة، بشكلٍ لا يسمح لها بإعادة إنتاج نفسها. أما العقائد الكبرى والأيديولوجيات الشمولية، فلم تحمل، عندما نزلت من علياء الكتب إلى أزقّة التنفيذ، أي اختلافٍ في مجال استباحة عناصر التوازن البيئي، على اعتبار أن "الأرض الأم" قادرةٌ على معالجة نفسها بنفسها مثلما تفعل منذ ملايين السنين. الرأسمالية لم تدّعِ اكتراثاً كبيراً بمراعاة التلوث والمناخ والحيوان والتوازن الإيكولوجي، لأنها جميعها، برأي منظّريها، خرافاتٌ تحدّ من حرية المبادرة والعمل وتحقيق الأرباح. أما الماركسيون الجدد، فقالوا الكثير عن "الاشتراكية أو الفناء"، على حد تعبير سمير أمين، لكنهم حصروا كالعادة بالرأسماليين ودولهم تهمة أخذ البشرية بيدها نحو الزوال، مع أن الاتحاد السوفييتي (وروسيا اليوم) والصين كانوا ولا يزالون ينافسون على مرتبة الأكثر تلويثاً في العالم. هكذا كان الحال وهو كذلك اليوم: العقائد الكبرى تخجل من إيلاء المناخ والبيئة والاحتباس الحراري والتربة والتلوّث والمياه ما تستحقه من أهمية. السياسة عندها دسمة، كلها كلماتٌ كبيرةٌ ومفاهيم وأطر نظرية لا مكان عندها لتفاصيل من نوع أن تبقى الكرة الأرضية موجودة أو أن تزول. وحتى اليوم، لا تزال معظم الأحزاب العقائدية في العالم تضع البيئة مع الأطفال والمساواة الجندرية في سلة واحدة، على اعتبارها مواضيع تزيّن وتذيّل بها بياناتها الممجوجة، وإن تطلّب الأمر، تخترع أفرعاً وتنظيمات شبابية تابعة للحزب، لتتخصّص بهذه الثيمات الثلاث، حتى تتفرغ مكاتبها السياسية ولجانها المركزية لتفكيك المؤامرات العالمية وإعادة توجيه البوصلة نحو الانقسامات العمودية والتناقضات المركزية.
التغير المناخي بلغ "نقطة تحوّلٍ لا رجوع عنها"، يقول علماء الأمم المتحدة وخبراؤها بذلك في تقاريرهم الكارثية المتتالية. الكوارث البيئية تتسارع بوتيرةٍ سنوية، بينما كان التغيير يُقاس بالعَقْد أو بالعَقْدين. النتائج في موت البشر تُعدّ بالعشرات في مختلف القارات. أما الأوبئة الجديدة فلا يُسأل عنها إلا كورونا وتلك السلالة الجديدة منه والتي تلد المتحوّرات، "أوميكرون". أمام واقعٍ كهذا، الأجوبة تأتي في كل مرة كأنها من كوكب آخر. الحروب تتكاثر. تتّسع موضة النظر إلى الكرة الأرضية ومصير زوالها أو بقائها، انطلاقاً من مصالح ضيقة إلى حدّ التفاهة. بدل الاقتناع بأن الجهد الجماعي هو الجواب الوحيد النافع لمسائل ندرة المياه والأوكسجين والغابات وتكاثر الأمراض والفقر وانعدام المساواة على مستوى العالم والهجرة السرّية، تظهر حلول الحكومات على هيئة المزيد من التفرد، المزيد من الأنانيات الوطنية، المزيد من التعصّب والسير خلف شعار من "بعدي الطوفان". سد النهضة مثالٌ أول، تخزين البلدان الغنية ملايين اللقاحات التي تفيض عن حاجاتها مثالٌ ثانٍ، إبقاء براءات الاختراع لشركات الأدوية العالمية مثالٌ ثالث، الأزمة "الولادية" بين فرنسا وبريطانيا على خلفية الهجرة السرّية من كاليه الفرنسية إلى دوفر البريطانية مثالٌ رابع، نذالة حكام بيلاروسيا في الاتجار بالبشر على حدود بلدان الاتحاد الأوروبي مثالٌ خامس. إعلان أستراليا أنها سوف تواصل بيع الفحم (أحد أخطر مصادر تلوّث المناخ) على مدى عقود، ورفضها اتفاق التخلي تدريجيًا عن الوقود الأحفوري، مثالٌ سادس.
السياسة بحاجةٍ لإعادة تعريف على مستوى العالم. تنقصها أطنانٌ من الأخلاق الأممية التي غابت عن مقاربات الأيديولوجيات الكبرى. والأخلاق الأممية هنا لم تعد مطلوبةً كقيمة بذاتها، بل صارت مرتبطةً ببقاء البشرية أو بزوالها. والتاريخ يقول إنّ أمميةً أخلاقيةً من هذا النوع يستحيل إلا أن تجمع العدالة الاجتماعية والديمقراطية في كتابٍ بيئيٍّ واحد غير محكوم بمصالح الشركات.