باكستان في مهبّ عاصفة طالبان

باكستان في مهبّ عاصفة طالبان

21 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

بعد انتصار حركة طالبان، تتّجه الأنظار إلى دول جوار أفغانستان لاستطلاع مدى انعكاس الزلزال الأفغاني عليها، كما تمتدّ الأنظار إلى دول في تلك المنطقة من آسيا، تضم الهند. وعلى الرغم من أن دولةً، مثل روسيا، تبدو بعيدة جغرافيا، إلا أن لها تأثيراً كبيراً على دولٍ في الجوار، مثل أوزبكستان وطاجكستان وتركمانستان على الحدود الشمالية لأفغانستان. بينما تحيط إيران بأفغانستان من الغرب، وتحيطها باكستان من الجنوب والشرق والصين من الشمال. وبين هذه الدول، فإن الحدود مع باكستان هي الأطول، إذ تمتد لـ 2600 كيلومتر، وهي حدودٌ ملتهبة، وكانت مصدراً للنزاع بين البلدين قبل أزيد من نصف قرن. ولا شك في أن باكستان مرشّحة لتلقي تأثيرات الحدث الأفغاني بصورةٍ تفوق أي تأثر آخر. وليس من المبالغة القول إن الزلزال الأفغاني مرشّحٌ لأن تنجم عنه تداعيات وارتدادات على الحدود بين البلدين، وفي الداخل الباكستاني. وقبل نحو شهرين، استشعر رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، محاذير التطورات في البلد المجاور، متوجّساً من انتصار "طالبان"، وداعياً، في الوقت ذاته، إلى تشكيل حكومةٍ في كابول تكون "طالبان" جزءاً منها. غير أن التطورات كانت أسرع وأشد دراماتيكية مما توقع، إذ باتت الحركة هي الطرف المقرّر، وهي من تتوجه إليها النداءات، بتشكيل حكومةٍ تضم جميع الأطراف. وقد اعترف خان، بطريقة جانبية، بدعم بلاده حركة طالبان، حين كتب، في مقال نشرته "واشنطن بوست"، 22 يونيو/ حزيران الماضي، أن إسلام أباد "ارتكبت خطأ اختيار طرف من الأطراف المتصارعة في أفغانستان، لكننا تعلمنا من التجربة". وأضاف "ليس لدينا طرف مفضل، وسنعمل مع أي حكومة تتمتع بثقة الشعب الأفغاني، فقد أثبت التاريخ أنه لا يمكن التحكم بأفغانستان من الخارج".

وحكاية الدعم الباكستاني السابق حركة طالبان باتت محور التقارير والتعليقات الإعلامية، فأجهزة الاستخبارات وأطراف في الجيش نسجت هذه العلاقة، بينما سعت الحكومات إلى النأي بالنفس. وبدا، لبعض الوقت، في أنظار الدولة العميقة، أن هذا الخيار هو الصائب، وذلك مع وصول "طالبان" إلى الحكم في عام 1996، باعتبارها الطرف الأقوى في منظومة الحركات الجهادية المسلحة، وتلقى تأييداً لدى قطاعات واسعة من الرأي العام في باكستان، وقد نشأت منظمة سلفية على غرارها، وحملت اسمها في باكستان. ومع وقوع العملية الإرهابية الكبيرة ضد البرجين في نيويورك (11 سبتمبر)، واستعداد واشنطن لغزو أفغانستان، حاولت باكستان إرضاء واشنطن بتأييد هذا الغزو، غير أن واشنطن لم تكتف بمجرد إعلان التأييد، إذ طالبت بتنسيق عسكري واستخباري ومكافحة المنظمات الجهادية في باكستان، وفي مقدمتها طالبان الباكستانية، وهو ما تم لاحقاً، وأدّى إلى مداهمة قوات أميركية منزلاً يقطنه أسامة بن لادن، وأورث سلطات إسلام أباد مزيداً من المشكلات، فهي في أنظار قطاع من شعبها قد وقفت مع غزو بلد جار مسلم، فيما هي في أنظار غالبية المجتمع الدولي قد ساعدت من قبل في تمكين "طالبان"، وتالياً "القاعدة" التي نشأت ابتداء على الأراضي الأفغانية، ثم امتدت شبكاتها إلى الداخل الباكستاني. هذا علاوة على الخسائر المادية، وحتى في الأرواح التي تكبّدها الجانب الباكستاني منذ الغزو السوفييتي لباكستان، وصولاً إلى الغزو الأميركي، إذ لطالما كانت الحدود على الجانبين مسرحاً لعمليات قتالية.

الزلزال الأفغاني مرشّحٌ لأن تنجم عنه تداعيات وارتدادات على الحدود مع باكستان، وفي الداخل الباكستاني

تسعى إسلام أباد الآن للخروج من هذه الشبكة من الارتباطات والإرث السياسي الثقيل واستيعاب التطورات المتسارعة. وقد أبدى المسؤولون هناك حذراً في إطلاق التصريحات، بعد نحو أسبوع على التغيير في كابول. فيما يحاجج كثيرون في الغرب، في أميركا خصوصاً، بأن إسلام أباد سعيدة بانتصار "طالبان"، غير أن الأمر لا يرتبط بمشاعر عاطفية لدى هذا الطرف أو ذاك في المؤسسات الباكستانية، فالحركة تقود الآن دولة كبيرة، ولديها ارتباطاتٌ قبليةٌ في باكستان، بل لديها مطالبات حدودية، ولا يخفي زعيم طالبان باكستان، نور مولى محسود، أن هدفه هو المضي في مقارعة السلطات الباكستانية لانتزاع استقلال مناطق الحدود القبلية مع أفغانستان، وهي إقليم بلوشستان. وبالنظر إلى روابطه الوثيقة بطالبان أفغانستان. وقد ارتكبت هذه الحركة أعمالاً إرهابية، مثل تفجيرات في المدارس والأسواق على مدى العقدين الماضيين، وتتهمها واشنطن بأنها كانت تعمل حتى على الأراضي الأفغانية جنباً إلى جنب مع حركة طالبان الأم. وإلى جانب هذه الحركة، هناك جماعة الدعوة، وهي أصولية متشدّدة، وتنشط في نطاق الجمعيات الخيرية والمعاهد الدينية، وتناوئ السلطات، وتدعو إلى قطع العلاقات مع الولايات المتحدة. وتتفاعل المجموعات السنية المتشدّدة مع أحزاب شيعية في تغذية التطرّف، وأهم هذه الأحزاب سباه محمدية وحزب الله الباكستاني وقوة المختار (مختار فورس)، ومليشيات طائفية في مناطق قبلية، وهي تتلقى الدعم من إيران، وتقيم معاهد دينية وحتى جامعات، وتسيطر على عدد من القنوات التلفزية. وليس معلوماً أين تتجه التطورات الداخلية في أفغانستان وتأثيرات دول الجوار عليها، بما فيها إيران، وانعكاس ذلك على باكستان التي تشهد على الدوام توتّراتٍ طائفيةً بوتيرة ترتفع أو تنخفض بين آونة وأخرى.

الخشية أن تشهد مؤسّسات الحكم في إسلام أباد انقساماً حول التطورات الأفغانية

والمسألة التي تثير الاهتمام وتستحق الانشغال بها أمام التطوّرات الأفغانية هي ما إذا كانت إسلام أباد سوف تتمكّن بحكم علاقاتها القديمة والمتقلبة بحركة طالبان من التأثير الإيجابي على مسار إطلاق نظام سياسي جديد مقبول، يحكمه القانون، ولا يميز بين الأعراق والطوائف، وبين الرجال والنساء، ولا يهدّد دول الجوار، ولا يحتضن جماعاتٍ إرهابية مثل القاعدة وداعش وسواهما، أو أن يتحقق سيناريو معاكس، بحيث تمارس "طالبان" نفوذاً معنوياً متزايداً على قطاع كبير من الرأي العام الباكستاني، إضافة إلى تمتين العلاقات مع "طالبان باكستان" وجماعة الدعوة وسواهما، وبحيث تشهد باكستان توترات سياسية وأمنية عنيفة، نتيجة ما تستشعره المنظمات الأصولية من زخم سياسي ناجم عن هزيمة أميركا وحلف الناتو في البلد المجاور، علماً أن إيران وجماعاتها ومليشياتها تطلق الخطاب نفسه عن هزيمة أميركا، وأهمية المضي في مناوأتها، على جميع المستويات. وترى طهران نفسها صاحبة الولاية على الشيعة في أفغانستان، كما في باكستان.

والخشية خلال ذلك أن تشهد مؤسّسات الحكم في إسلام أباد انقساماً بشأن التطورات الأفغانية بين من يتطلّع إلى إقامة أوثق العلاقات مع إمارة أفغانستان الإسلامية، والإسراع في الاعتراف بالنظام الجديد، والحدّ من الاعتماد على الولايات المتحدة وتنمية العلاقات مع الصين (للأخيرة بذمة باكستان من الديون حتى تاريخه ما قيمته 24 مليار دولار)، بصرف النظر عن سلوك "طالبان"، وعن نهجها الذي سوف تتبعه تجاه شعبها، باعتبار ذلك شؤوناً داخلية وبين من يرى ضرورة التريّث وأهمية نسج علاقات متوازنة تُبعد أي تأثير سلبي على الداخل الباكستاني، وعلى علاقات باكستان الخارجية. والواضح أن رئيس الحكومة، عمران خان، من التيار الثاني، والمأمول أن يسود هذا التيار مستويات الحكم المختلفة.