باريس أحمد المديني

06 ديسمبر 2025
+ الخط -

يقيم الروائي والناقد والأستاذ الجامعي المغربي، أحمد المديني، في باريس منذ 45 عاماً. يعرُفها كما يعرفُ راحتيْ يديه. جال بي، في سيّارته، في بعض ميادينها وشوارعها وجادّاتها، وهو يُحدّثني عن تفاصيل التفاصيل في شأن ما تقع عليه عيونُنا، بخبرة المثقف القارئ والذوّاقة. كان الوقت معي قليلاً، فصار خُسراني كثيراً. ولمّا كان الصديق المحبّ (1947) واحداً من كتّاب أدب الرحلة المُجيدين في المدوّنة السردية العربية، ولمّا كان شغوفاً بالسفر، ونشأ على الترحال والتنقّل في بلده، فإن لأي كتابةٍ يُنجزها عن بلادٍ يزورُها، أو مدينة يجوبُ فيها، مذاقاً يطيب لصاحب كل مزاج رائق. أما باريس فأمرُها خاصٌّ عنده، وقد كان يغدو إليها في شبابه الأول في عقد السبعينيات، في غضون أسفاره في المشرق العربي وأوروبا والولايات المتحدة. ولا تزيّد في الذهاب هنا إلى أن كتابه "نصيبي من باريس" (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2014) عالي القيمة، من حيث تنوّع مداخلِه وإحاطاتِه، ومناورته بين الشخصيٍّ والعام، فهو كتابٌ في "أدب المكان"، وفي تحليل منظوراتٍ ثقافيةٍ عربيةٍ إلى الغرب، إلى باريس خصوصاً، وفي مقاربة قضايا تتّصل بالاجتماعي والسياسي، وبالمعيش واليومي، وبالحميم الذاتي، بكتابةٍ طلْقة، بشأن باريس، كما عاشَها "ملء الروح والعقل والجسد"، على ما أوضح. ولا أحسبُهُ غالى لمّا كتب "لا أظنّ مثل باريس، بين ما علمتُ من مدن الدنيا، تُعطيك فسحة المكان، وغِناه، وكثافته التاريخية، وإيحاءاته، عن قربٍ وبُعد. لا أحسبُ مدناً أخرى تمتلك امتدادات شوارعها وتناسق بناياتها وانسجام المعمار ضمنها".

ليس حماساً زائداً لدى أحمد المديني جعله يخصّ نصيبه من باريس كتابه هذا، ثم يدوّن مطالعاتٍ،  ويوميّات موثقة، وانتباهاتٍ عفو الخاطر، في كتابيْن اختار لهما عنوانيْهما "من سيرة ذات... فِتَنُ كاتب عربي في باريس" (المتوسّط، ميلانو، 2019)، و"باريس أبداً... يوميّات الضفة اليسرى" (المتوسّط، ميلانو، 2022). وإنما هي، في زعمي، فرادةٌ في هذه المدينة بين عواصم الغرب ومدنه، على غير مستوى، فهي إن كانت مدينة الجنّ والملائكة، بحسب طه حسين، فإنها "مثوى الجمال، ومهبط أسرار وإعجاز الجمال، ومضمار الفتن والضلال"، بحسب البدويّ الأرومة القادم من المغرب الذي استعمرته فرنسا، فكتب صاحبُنا "لم تكتف فرنسا باستعمارنا، بل سكنتنا في أكثر من صورة وحالة". وفي هذه الإشارة ما يعطي للذين لم يقرأوا الكتب الثلاثة فكرةً عن الاسترسال فيها، والذي يحدُث أن يأتي كيفما اتفق، على السجيّة، إنما السجيّة الموصولة، دائماً (أو غالباً)، بغواية المثقف الحائر الذي تتحرّك في حشاياه ودواخله مفاعيلُ شتّى، عن صلة الذات بالآخر، وعن صلتها بعوالمها وبيئاتها، بما يجعلُها على هذه الماهيّة، وليست على تلك. ولمّا كنتُ قد ذهبتُ في مقالةٍ سابقةٍ إلى أن ظلال "فتنة" رفاعة الطهطاوي المبكّرة بباريس باقيةٌ في عمومٍ واسعٍ ممن أقاموا في باريس وكتبوا عنها، فهذا أحمد المديني في كتابه الثاني يراها "مثوى الجمال، و..."، وفي الثالث يُخبر بأنه لا يعرف في العالم، وقد جال في كثيرٍ من أرجائه، مثل باريس "قدرة على إخفاء المفاتن والأسرار، وإدهاشك كلما أظهرتَ أنفَك إلى الخارج بحسّ الفضول، فمنَحتَ للأدباء من أبنائها والغرباء، وأتاحت لهم ما يصنع أعظم الأدب وأبهجه".

يكرّر أحمد المديني قولته إن باريس ليست مدينةً واحدة، يراها "مدناً صغرى، وأحياء كبرى، تتقاسم ألواناً من المعمار والحياة اليومية والسلوك البشري". ويجد صاحب دكتوراه الدولة في النقد الأدبي، في السوربون والكوليج دي فرانس، أنه ليس مصادفة أن تولد السيمائيات (يقصد علم السيمياء) في باريس، على ما ينقُل عن شاعر فرنسي قوله إنك "لا تستطيع العيش فيها إن لم تكن أو تصبح سيميائيّاً بالفطرة، ثم بمهارة العين، إذ العينُ هي التي تمشي وتنظر وتستوعب وتؤوّل، وتحثُّك على المثابرة اليوم وغداً، كي تصبح مشّاءً في التاريخ". وأحمد المديني يمشي في مسارات ذاكرته، وفي مسارب الحياة بغناها، تقع فيه (وفي كتبه الثلاثة) على محبّته أصدقاءه، على احتفاله الغزير بهم وبمعارفه، ممن جمعتُه بهم أكثر من رفقةٍ وصحبةٍ وموادعة، وربطَه بهم بعدٌ إنسانيٌّ محض، في باريس، يتداولون في الشأن الثقافي وصلته بالسياسي، بل والنضالي بالمعني الحراكي.

تجولُ في باريس مع أحمد المديني في سيّارته، وفي كتبه الثلاثة، باريس التي يتنفّسها، المُغوية في روحه، والغائبة، في الوقت نفسه، في كثيرٍ من رواياته وقصصه، وهذا مبعثُ سؤالٍ له مواضعُ أخرى للكتابة فيه.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.