انقلاب قيس سعيّد على نفسه

انقلاب قيس سعيّد على نفسه

30 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

لم يكمل الرئيس التونسي، قيس سعيّد، عامين من ولاية رئاسية بدأها في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وتدوم خمسة أعوام قابلة للتجديد. وبالتالي هناك متسع من الوقت لمفاجآتٍ أخرى، ولن يكون انقلاب الخامس والعشرين من يوليو/تموز الحالي السابقة الأولى والأخيرة للرئيس، الذي كان أسلوبه في الحكم حتى أيام من الانقلاب مثار تندّر، وإذ به يكشف عن وجه نسيه الشعب التونسي مع غياب الزعيم الحبيب بورقيبة عن المشهد في بداية النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، عندما أزاحه رئيس وزرائه الجنرال زين العابدين بن علي في السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 1987 في انقلابٍ أبيض، تم إدراجه تحت بند الأسباب الصحية. ومن تلك الأسباب أن بورقيبة، الذي بلغ سن الرابعة والثمانين بعد ثلاثين عاما متواصلة في الحكم، بدأ يتّخذ قراراتٍ مرتجلة يتراجع عن بعضها في اليوم الثاني، ومنها تسمية وزراء ومدراء مؤسسات ذات صفة إستراتيجية. ولو لم يتجرّأ بن علي على بورقيبة لما كان أحد يقدر على إزاحته من كرسي الرئاسة، فهو "المجاهد الأكبر وباني تونس الحديثة" حسب البروتوكول الرسمي، وكان سيظل في مكانه حتى وفاته في عام 2000.

في أول خطابٍ له بعد الانقلاب، ظهر قيس سعيّد في واحدةٍ من هيئات بورقيبة التي كان مدمنا عليها في أواخر سنوات حكمه، وتتمثل في استقبال وزراء ومسؤولين في مكتبه بقصر قرطاج، وتوجيههم بصورة مباشرة، بينما تسجل كاميرا التلفزيون الرسمي المشهد الذي يصبح الخبر الأول في نشرة المساء التي تدوم قرابة ساعة. وأكثر نقطةٍ توقف عندها سعيّد أن "المؤسسة النيابية قامت بالسب والشتم على رئيس الدولة". وهذا أمرٌ مدانٌ لو حصل فعلا، لأن شتم مقام الرئاسة يعني شتم البلد، ولكنه لا يشكل سببا مقنعا لتجميد عمل البرلمان شهرا، وربما الذهاب إلى انتخابات تشريعية مبكرة لمداواة كبرياء رئيس الدولة الجريحة. وقدّم الرئيس عرضا غير مقنع للدفاع عن نفسه، واستعمال صلاحياته الدستورية، ومنها الفصل 80، وظهر أنه يفسّر الدستور على مزاجه وحسب مصلحته. وهناك قراراتٌ على درجة كبيرة من الخطورة اتخذها من دون دراسة أجهزة مختصة، منها فرض حظر تجوّل شهرا من السابعة مساء حتى السادسة صباحا، في وقتٍ تعاني البلاد من أزمة اقتصادية.

يبدو أن سعيّد مصابٌ بداء الزعيم بورقيبة شخصيا، وهو مرضٌ صعبٌ وخطير، وسبقه كثيرون من رجالات السياسة في تونس إلى تقمّص المجاهد الأكبر، ولكنهم فشلوا، لأن بورقيبة ابن زمنه، ووصل إلى المكانة التي حازها بسبب توفر ظروف محلية ودولية لا تتكرّر. ويظهر أن سعيّد لم يقرأ بورقيبة جيدا، ولذلك لم يذهب إلى صناديق الاقتراع ليدلي بصوته في أي انتخاباتٍ رئاسيةٍ حصلت بعد سقوط نظام بن علي. وكلما يمر الوقت على الانقلاب، يتبين أنه مرتجل، فالأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني انحازت للديمقراطية، ولذلك طالبت الرئيس بضماناتٍ ملزمةٍ وملموسةٍ في ما يتعلق باحترام الدستور، وتقديم خريطة طريق للخروج من الأزمة. أميركا وأوروبا وضعا سعيّد أمام امتحان "استئناف النشاط البرلماني بأسرع وقت.. وتشجيع الفاعلين السياسيين في تونس على الامتثال للدستور، واحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان"، وفق ما جاء في بيان وزارة الخارجة الأميركية. أما الأوساط المالية فكان رد فعلها من خلال تراجع قيمة السندات السيادية. هذه إشاراتٌ صريحةٌ إلى أن انقلاب سعيّد لن يجد تغطيةً محليةً أو دولية. وبالتالي، فإن الخطوة التي خطاها مشروطٌ نجاحها بقدرته على تحويلها إلى مشروع مقنع ذي نفع عام للبلد، وليس لصناعة ديكتاتور جديد. وإذا ما استمرّت ردود الفعل على هذا المنوال، لن يتأخر الوقت، حتى يتبين أن أكبر إنجاز حققه الرئيس سعيّد هو الانقلاب على نفسه.