انقلابات طالبان وقيس سعيّد والحوثي

انقلابات طالبان وقيس سعيّد والحوثي

26 اغسطس 2021
الصورة

(معمّر مكّي)

+ الخط -

لماذا تؤيدون "طالبان" وتعارضون قيس سعيّد؟ لماذا ترفضون الحوثي وتقبلون "طالبان"؟ سؤالان قد يكون الغرض منهما تعويم انقلابي سعيّد والحوثي أو مهاجمة الإسلاميين الذين تعاطفوا مع حركة طالبان، والإجابة عنهما تسهم في إزالة التشويش الذي قد تنفذ منه الثورة المضادّة لترويج مشروعها الدموي الانقلابي المعادي للديمقراطية.

ابتداءً، لا علاقة لحركة طالبان بالديمقراطية، هي حركة إسلامية متشدّدة، لم تكن تسعى إلى الحكم، وكان مؤسّسوها جزءا من المشروع الجهادي الذي انتصر على السوفييت، وابتعدوا عن مغانم الانتصار راضين بالتفرّغ لطلب العلم الشرعي وفق الطريقة التقليدية، واضطروا لامتلاك السلطة بعد فشل حكومة المجاهدين؛ يعني هم انقلابٌ على "الحركة الإسلامية" التي كانت تتنازع السلطة على كابول، سواء شقّها الطاجيكي؛ الجمعية الإسلامية بقيادة أحمد شاه مسعود وبرهان الدين رباني، أم شقّها البشتوني برئاسة قلب الدين حكمتيار.

سيطرت الحركة، في نسختها الأولى على أفغانستان، بقوة الجذب، لا بقدراتها العسكرية المحدودة، ومنحت الناس ما كانوا يفتقدونه من أمن معيشي واستقرار، ولم تكن الديمقراطية القضية المحرّكة للأفغان. الدين والهوية هما القضية الأولى في مواجهة الاحتلال السوفييتي، وقبله البريطاني، ولاحقا الأميركي. القضية في أفغانستان هي بناء الدولة، وبعدها يختار الشعب نموذجه في الحكم، سواء العودة إلى الدستور القديم الذي انقلب عليه الشيوعيون، أو صياغة دستور توافقي من دون احتلال أميركي.

عندما تؤيد حركة تحرر في مواجهة احتلال لا يعني أنّك تؤيد برنامجها في الحكم، سواء كانت الحركة في فلسطين أو فيتنام أو لبنان. من أيدوا حزب الله في تحرير جنوب لبنان وحرب تموز هل يتفقون مع ولاية الفقيه؟ من أيد الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين هل أيدوا فكرها الماركسي؟ من يؤيدون حركة حماس في حروبها هل يؤيدون برنامج الإخوان المسلمين في الحكم؟ الإجابة عن ذلك كله: ليس بالضرورة.

لم يقد قيس سعيّد حركة تحرّر وطني، مثل بورقيبة في تونس وبومدين في الجزائر. على العكس هو يصف الاحتلال الفرنسي بالحماية. ولم يناضل في حزب، بل كان ذراعا قانونية لاستبداد بن علي. جاء على النموذج الوحيد للتحول الديمقراطي عربيا ودمّره، وفق برنامج شعبوي غامض ينتمي لفكر القذافي. وبلغت به الشعوذة إلى اعتبار البرلمان خطرا على الدولة! مع فارق كبير عن "طالبان" بأنها حركة لها هيئاتها ومؤسساتها، ويمكن الحوار معها والجلوس إليها. سعيّد وحده لا شريك له في السلطة والقرار. ولا يُعرف من يشاور ومن مكتبه السياسي، هو الدولة وهو القضاء وهو الجيش وهو البرلمان. دكتاتور شعبوي كامل الأوصاف، خصوصا عندما يذهب إلى المخبز ويصفّ على الدور، مرهقا ميزانية الدولة في تأمين حراسة تحرّكاته الشعبية.

خطورة تزامن انقلاب سعيّد مع الانتصار الطالباني هي على الإسلاميين الذين فشلت أكثر نسخهم حداثةً وتوافقيةً، ممثلة بحركة النهضة، ونجحت أكثر النسخ تشدّدا. وهذا يتطلب جهدا إعلاميا وسياسيا وفكريا، للردّ عليه، فحركة النهضة تشبه شركة "نوكيا" التي عملت كل متطلبات النجاح، وتراجعت في سوق الهواتف الجوالة. توجد مآخذ على "النهضة" عموما، وعلى الشيخ راشد الغنوشي خصوصا. لكنها بمقياس عادل بعيد عن الهوى، عملت فوق طاقتها لإنجاح المسار الديمقراطي في تونس، ولم يكن انقلاب سعيّد واردا في أسوأ الكوابيس.

أما الحوثي فهو يجتمع مع سعيّد في إجهازه على مشروع التحوّل الديمقراطي في اليمن، واستغلال الأزمة الاقتصادية لتمرير انقلابه، لكنّه أسوأ، لاعتماده على قاعدة مذهبية جهوية تمزّق اليمن، وكلاهما أسوأ من الآخر في الإضرار بوحدة البلاد وتحوّلها الديمقراطي.

ليس معقدا ولا صعبا أن تعارض أفكار "طالبان" وتعارض الاحتلال الأميركي، وتعارض انقلابي قيس سعيّد والحوثي. الدرس الأساسي الذي على سعيّد أن يتعلمه أن أفغانستان تدفع إلى اليوم كلفة انقلاب ابن عم الملك (في 1973) الماركسي الذي صدّق نفسه وعطل الدستور وأمسك بمفاصل الدولة. وعلى قول ماركس: "التاريخ يعيد نفسه مرّتين، مرّة على شكل مأساة وأخرى على شكل مسخرة" وها هي المسخرة نشاهدها.