انتصار غير حاسم للسوداني
أنصار السوداني يحتفلون بالنتائج الظاهرة في شاشة عرض ببغداد (12/11/2025 فرانس برس)
بإغلاق صناديق الاقتراع في مساء يوم 11 من نوفمبر/ تشرين الثاني، يكون الصراع على أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية العراقية قد انتهى، وبدأت مواجهة جديدة لتحويل نتائج الاقتراع مكاسبَ وأوراقَ تفاوضٍ مع الحلفاء والخصوم لتحديد شكل الحكومة المقبلة. هناك بالتأكيد، ومنذ إعلان النتائج الأولية، مفاوضات بين الأحزاب والتيارات السياسية السُّنّية والكردية، كلٌّ في دائرته، لكنّها لا تحظى باهتمام أكبر ممّا تبدو عليه الخريطة السياسية الشيعية الجديدة، التي شهدت فوزاً لكتلة رئيس الوزراء الحالي محمّد شيّاع السوداني، فحصد أعلى الأصوات من بين منافسيه الشيعة، لكنّه ليس فوزاً كبيراً أو حاسماً، وما زالت مكوّنات "الإطار التنسيقي" (الشيعي) السابق قادرة على الاجتماع في "إطار جديد" لتكون بمقاعد أكثر من كتلة "الإعمار والبناء" للسوداني.
وإذا كان معيار النجاح في التوقّعات التي سبقت الانتخابات أن يحصل السوداني على كتلة كبيرة تفرض نفسها على حلفائه الشيعة الآخرين، فإن السوداني أخفق في الحصول على هذه الكتلة الكبيرة، إلا أنه ما زال يملك أوراقاً يلعب بها، منها: إمكانية أن يستقطب مكوّنات من "التنسيقي" السابق، وبدلاً من أن يفكّك هذا الإطار، بزعامة المالكي، تحالف السوداني كما فعل مع تحالف النصر الذي كان يتزعّمه حيدر العبادي عقب انتخابات 2018، يتحرّك السوداني ليفكّك "التنسيقي" نفسه. كما أن بعض التسريبات تشير إلى تلويح السوداني بورقة "التحالف الثلاثي" التي لعبها مقتدى الصدر بعد انتخابات 2021، فيستقوي بالكرد والسُّنّة المؤيدين لمنهجه، ويحاول فرض نفسه رئيساً للوزراء لولاية ثانية. إلا أن مؤشّرات كثيرة تُبيّن أن السُّنّة والكرد لن يكرّروا "خطأ" الدخول في صراعات الشيعة. فعقب انهيار التحالف الثلاثي بين مقتدى الصدر ومسعود البارزاني ومحمد الحلبوسي في 2021، بانسحاب الصدر من العملية السياسية برمّتها، صار حليفاه السُّنّي والكردي في موقف ضعيف ومحرج. وقبل أيام، بيّنت قيادات في الحزب الديمقراطي الكردستاني أنها لن تتدخّل في الصراع الشيعي ـ الشيعي المتوقّع، والذي قطباه: المالكي والسوداني.
يُروّج مقرّبون من السوداني أن الأخير حليف لأميركا، وصديق لمارك سافايا (المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي إلى العراق)، وأن الولايات المتحدة جادّة في إحداث تغيير في العراق بسحبه من الحضن الإيراني أكثر، فضلاً عن مبالغة بعضهم التي ترفع الأمر إلى مستوى أن تكون الحكومة العراقية المقبلة خاليةً من حلفاء إيران. إلا أنه لا يوجد ما يؤكّد أن أميركا جادّة في التدخّل والانخراط أكثر في الشؤون العراقية التفصيلية. سترفض أميركا بالتأكيد مرشّحاً إيرانياً بالكامل لمنصب رئيس وزراء العراق، أو مسؤولين مقرّبين من إيران في الوزارات والمراكز الأمنية الحسّاسة، إلا أن إيران ليست بهذا الغباء لتفرض رئيسَ وزراءٍ "إيرانياً" في العراق.
الصورة الأكثر ترجيحاً أن أميركا مرتاحةٌ للاستمرار بالضغط الناعم على الفاعل السياسي الشيعي في العراق، لتقليم أظافر المليشيات أكثر فأكثر، من دون الحاجة إلى ضربات صاروخية ترفع الأدرينالين عند المتابعين الذين أصابهم الملل من انتظار الدراما على مدى السنتَيْن الماضيتَيْن. خلال ذلك، سيُعاد تشكيل العلاقة بين الفاعل السياسي الشيعي وإيران وأميركا بهدوء ومن دون صخب، لصالح توازن أكثر، وربّما مع شيء من الحسّ الوطني وشعور بالانتماء إلى العراق ومصالحه العليا، يمكن أن ينجح رئيس وزراء مقبل في تعزيز استقلال العراق.
ولكن، هل المقبل هو السوداني؟... سيكون الأمر مفاجئاً إن انتهت دراما المفاوضات وليِّ الأذرع وجذب الحبال داخل البيت الشيعي بإعادة تنصيب السوداني. ولكن أيَّ رئيس وزراء جديد سيكون (على الأغلب) استمراراً لنهج السوداني، الذي يمثّل خطّ "الإسفنجة" الذي ابتدأ مع حيدر العبادي ثمّ عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ثمّ السوداني؛ الذي تكون وظيفته امتصاص الضغوط من الكيانات السياسية المختلفة، والمحاور الإقليمية والدولية، وتمرير سياسة ناعمة، غير خطابية أو ذات نفس عقائدي كما بدا عليه الأمر مع نوري المالكي.