انتخابات عراقية ملطّخة بالدماء

21 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 03:20 (توقيت القدس)

صورة متداولة في مواقع التواصل للمرشّح في الانتخابات العراقية صفاء المشهداني قبل اغتياله

+ الخط -

لن تكون الانتخابات النيابية العراقية المقرّرة في 11 الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني) استثناءً من سابقاتها منذ الغزو الأميركي (2003)، بل هي امتداد لمسيرة "ديمقراطية" ملطّخة بالدماء، تشرّبت من نهرٍ آسنٍ قرّرت الولايات المتحدة، ومن معها من حلفاء الغزو، أن تفتحه في شرايين جسد العراق، لتصل به وبهم إلى واقعٍ أقرب ما يكون إلى التماهي مع كل ما لا يمتّ للديمقراطية بصلة. فلا الانتخابات قادرة على تغيير واقع، ولا صندوق الاقتراع له سلطة الحسم والقول الفصل في مَن يصل إلى البرلمان أو يحقّ له تشكيل الحكومة، ولا المؤسّسات التي يُفترض أنها تحمي التجربة "الديمقراطية" والدستور تقوم بدورها، بعد أن تحوّلت أدواتٍ بيد من يملك السلطة والمال والنفوذ والسلاح، لتلد "ديمقراطيةً" مشوّهةً، ليس لها من الديمقراطية إلا الاسم، وفي أحيان كثيرة تفقده.

لا الانتخابات قادرة على تغيير واقع، ولا صندوق الاقتراع له سلطة الحسم والقول الفصل في مَن يصل إلى البرلمان أو يحقّ له تشكيل الحكومة

كان اغتيال عضو مجلس محافظة بغداد والمرشّح للانتخابات المقبلة صفاء المشهداني (الأسبوع الماضي) ناقوس خطرٍ تردّد صداه في أرجاء البلاد، فقد أثبت مَن يملك النفوذ والسلطة أن لا شيء يمكن أن يمنعه من استخدام الأساليب كلّها للبقاء في واجهة "الديمقراطية". كان الاغتيال رسالةً تحمل رسائلَ، وموتاً مُعلَناً لمسيرة عقدَين من التجربة "الديمقراطية"، وتأكيداً على أن شيئاً لم يتغيّر منذ قرّر رئيس الحكومة الانتقالية إياد علاوي قصف مدينة الفلّوجة في نهاية عام 2004، متناسياً كل الدعوات التي طالبته بعدم الإقدام على تلك الخطوة لأنها ستؤدّي إلى عزوف شريحة كبيرة من العراقيين عن المشاركة في الانتخابات، وصولاً إلى اللحظة التي اغتيل فيها المشهداني، لتُدشّن القوى المسلّحة التي تتصدّر المشهدين السياسي والاقتصادي مرحلةً جديدة، ظنّ عراقيون كثيرون أنهم غادروها، وهي مرحلة الاغتيالات السياسية.
وصفاء، الذي دفع حياته ثمناً لمبدأ آمن به، يمثّل نموذجاً من شباب العراق، شبابٍ اعتقد للحظة أن التغيير يجب أن ينبع من داخل العملية السياسية، من بين ثنايا تلويناتها وتعقيداتها. ظنّ صفاء، ومعه جمع غفير من شباب العراق، أن كل الملاحظات والاعتراضات على العملية السياسية قابلة للإصلاح، وأنهم قادرون على تغيير الواقع لو آمنوا بعدالة قضيتهم وقرّروا خوض غمار السياسة والانتخابات على أمل تغيير واقعهم، وواقع مناطقهم التي عانت (وتعاني) من نير القوى المستبدّة، التي لا تقلّ فحشاً ودموية عن قوى الاحتلال.
شعر جمعٌ من شباب العراق في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2019 بأن الأبواب كلّها مغلقة، لا أمل يُرجى من الانتخابات ولا من عمليتها "الديمقراطية"، فخرجوا يومها ينشدون وطناً، ويريدون حريةً وكرامةً، ويطالبون بإسقاط عمليةٍ سياسيةٍ لم يجْنِ منها العراق إلا المزيد من التردّي والانحدار في قاع الفساد. أمرٌ لم يَرُق للقوى التي تمسك بتلابيب البلاد وتجعل منها دجاجةً تبيض لهم ذهباً وأرصدةً ومصالحَ اقتصادية، في حين يرزح الشعب تحت رحمة واقعٍ مريرٍ جعل الحصول على الكهرباء نعمةً، وتوفير الماء الصالح للشرب مكرمةً، والحصول على وظيفة حكومية براتب لا يتجاوز 400 دولار غنيمةً لا تُقدّر بثمن، بينما ينام أباطرة السياسة والفساد على ثرواتٍ لم يعد اللسان قادراً على ترديد أرقامها.
لم تنجح ثورة تشرين، وجوبهت بالقوة، ما أدّى إلى استشهاد قرابة ألف شاب عراقي وإصابة أكثر من 28 ألفاً آخرين، فيما تشرّد من بقي من قادة تلك الانتفاضة في منافي الأرض، ولا يزال بعضهم يدفع ثمن مشاركته فيها إلى يومنا هذا. في إثر ذلك، جاء جيلٌ آخر من الشباب يمثّلون مناطق العرب السُّنّة، وتحديداً مناطق حزام بغداد، وقرّروا خوض غمار السياسة وتجربة "الديمقراطية". دخل بعضهم في أحزاب مختلفة، ووصل عدد منهم إلى مقاعد مجالس المحافظات، ومن بينهم صفاء المشهداني، عضو مجلس محافظة بغداد عن منطقة الطارمية.
وصفاء المشهداني، لمن لا يعرفه، شابٌّ تعرّض لإصابة بعبوة ناسفة زرعها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2021. ومنذ ذلك الوقت، يعيش بقدمين صناعيتين، لكنّه لم يستسلم، وواصل الدفاع عن حقوق أهله. ولأهله هنا قصّة مع قوى الظلام والطائفية، ممّن قرّروا إعادة تشكيل بغداد ومحيطها على أسسٍ مذهبية وطائفية، فشرعوا منذ نحو عقدَين بعملية تغيير ديمغرافي نجحت في بعض المناطق وفشلت في أخرى، إلا أنهم لم يتوقّفوا. وكان الدور على الطارمية، منطقة صفاء، حيث نفّذت المليشيات ومكاتبها الاقتصادية أوسع حملة لشراء الأراضي هناك، فإمّا أن تبيعهم أو تتعرّض للتهديد. والتهديد هنا ليس القتل فحسب، بل ربّما ما هو أسوأ: تُلفّق تهمة جاهزة لمن يرفض البيع، مثل "داعشي" أو "بعثي"، وكلاهما كفيلٌ بأن يزجّ بصاحبه في غياهب سجونٍ أقسى من الموت. استحصل صفاء على موافقة مجلس محافظة بغداد بوقف تغيير جنس الأراضي في الطارمية من زراعي إلى سكني، وفوّت الفرصة على تلك الجهات لغزو المنطقة وتغيير ديمغرافيتها، فما كان منها إلا أن أرسلت له التهديد تلو التهديد من دون جدوى، فقرّرت التخلّص منه بعبوةٍ ناسفة زُرعت في بغداد وفُجّرت عند مدخل الطارمية على بعد 20 كيلومتراً شمال العاصمة.

ديمقراطية العراق صناديق اقتراعٍ تتّسع كل يوم لشهيدٍ جديد، ولا تتّسع للتغيير

تعرف الحكومة من وراء اغتيال صفاء، لكنّها تدرك أيضاً أن أيّ خطوة ضدّ تلك الجهة قد تعني نهايتها، وقد تفتح ملفّات قديمة وحديثة عن شراكات الفساد والاغتيال، لذلك لن تصل إلى الفاعل الذي يعرفه كل العراقيين. وإذا قرّرت الحكومة اتهام الجهة الفاعلة، فلن يكون ذلك سوى ذرٍّ للرماد في العيون، فسرعان ما تُغلق القضية خلف الكواليس، ولنا في قاتل الدكتور هشام الهاشمي عبرةً ومثالاً... تلك هي ديمقراطية العراق باختصار، وتلك صناديق اقتراعه التي تتّسع كل يوم لشهيدٍ جديد، لكنّها لا تتّسع للتغيير عبرها.
وبعد ذلك، يُسأل سائل: لماذا انخفضت نسب المشاركة في الانتخابات العراقية حتى وصلت إلى أقلّ من 20%؟

96648A48-5D02-47EA-B995-281002868FD0
إياد الدليمي
كاتب وصحافي عراقي. حاصل على شهادة الماجستير في الأدب العربي الحديث. له عدة قصص قصيرة منشورة في مجلات أدبية عربية. وهو كاتب مقال أسبوعي في عدة صحف ومواقع عربية. يقول: أكتب لأنني أؤمن بالكتابة. أؤمن بأن طريق التغيير يبدأ بكلمة، وأن السعادة كلمة، وأن الحياة كلمة...