انتخابات جهوية في فرنسا بطعم الرئاسيات

انتخابات جهوية في فرنسا بطعم الرئاسيات

03 يوليو 2021
الصورة

في مركز اقتراع للانتخابات المحلية في باريس (27/6/2021/ فرانس برس)

+ الخط -

مرّت الانتخابات الإقليمية والجهوية في فرنسا لاختيار مجالس الأقاليم والجهات في جوّ اتسم بالعزوف الانتخابي الكبير، بل ولنقل باللامبالاة وبعدم اكتراث مواطنين فرنسيين كثيرين، حيث اختار أكثر من ثلثي الناخبين مقاطعة الانتخابات لعدة أسباب، أهمها عدم الإحساس بأهمية المواضيع المطروحة، إذ لوحظ أن المواضيع التي نوقشت في أثناء الحملة الانتخابية كانت بالأساس ذات بعد وطني وسيادي، أكثر منها مواضيع تتعلق بسياسة القرب، سيما وأنها لا تدخل في صلاحيات مجالس الجهات والأقاليم، حيث طغت ملفات الأمن ومحاربة الإرهاب والهجرة والشغل والبطالة على طاولة المناقشات العامة، وهي مواضيع، على الرغم من أهميتها القصوى، طرحها سابق لأوانه، في انتظار رئاسيات السنة المقبلة، ما أعطى انطباعاً عاماً لدى الرأي العام الفرنسي بأنه أمام انتخابات تمهيدية لاختيار المرشحين المحتملين لرئاسة الدولة الفرنسية أو تأكيدهم.

أبرز ما أسفرت عنه الانتخابات عودة الأحزاب التقليدية إلى المشهد السياسي الفرنسي، أو بالأحرى بقاؤها ترأس الجهات والأقاليم، حيث حافظ حزب الجمهوريون، اليميني، على رئاسة سبع جهات، واستطاع الاشتراكيون، بدعم من الخضر، من المحافظة على رئاسة خمس جهات، وهي نتيجة مخيّبة للآمال، خصوصاً أن حزب الجمهورية إلى الأمام، أو دعونا نسميه "حزب ماكرون"، ظهر أنه مدين بوجوده على الساحة السياسية للرئيس، ولم يستطع أن يتجذّر في أوساط المجتمع الفرنسي بعد زهاء خمس سنوات من بدايته. بل الأدهى أن هذا الحزب لم يحصل حتى على المركز الثاني في كل الجهات، وكانت نتائجه في مناطق عديدة دون مستوى عتبة 10% التي تسمح بالوصول إلى الدور الثاني.

أبرز ما أسفرت عنه الانتخابات عودة الأحزاب التقليدية إلى المشهد السياسي الفرنسي

لم يكن حزب الرئيس الوحيد العائد بخفي حنين من هذه الانتخابات، فقد فشل أيضاً التجمع الوطني، اليميني المتطرّف بزعامة مارين لوبان، في الحصول على رئاسة جهة الباكا، وعاصمتها مدينة نيس الفرنسية، وهي الجهة المعروفة عالمياً بشواطئها ومدنها الجميلة، وهي وجهة أثرياء عرب وروس وفنانين عالميين عديدين. ويعود فشل الحزب العنصري، بالأساس، إلى التحالف الجمهوري الذي جمع كل أحزاب اليمين التقليدي والوسط وحزب ماكرون في لائحة واحدة، ثم إلى انسحاب اليسار والخضر من الجولة الثانية لقطع الطريق عليه. ولولا ذلك لرأينا تيري مارياني، وهو وزير سابق في حكومة الرئيس الأسبق ساركوزي، وصديق لجزار سورية بشار الأسد وللرئيس الروسي بوتين، على رأس هذه الجهة.

المفارقة في نتائج هذه الانتخابات الإقليمية والجهوية أنها حافظت على الوجوه نفسها التي عرفتها انتخابات 2015، وكأن المشهد السياسي على حاله، وكأن فرنسا لم تعرف انتخابات رئاسية سنة 2017، جعلت الرئيس ماكرون في مواجهة مارين لوبان، ما يمكن من استنتاج العبر التالية:

أولاً، التفريق بين الانتخابات الجهوية والوطنية، فنسبة المشاركة التي لم تتعد الثلث، بل الخمس في بعض المناطق الشعبية، تعكس أزمة الديمقراطية الفرنسية، وتجعلها على المحكّ، وتوضح فقدان الثقة بالطبقة السياسية المسيطرة على الحكم في فرنسا.

على الرغم من عدم حصول اليمين المتطرّف على رئاسة أية جهة، إلا أنه استطاع فرض أجندته السياسية، وإبراز المواضيع التي تحتل الأولوية في برنامجه

ثانياً، التوجه اليميني المتزايد، فعلى الرغم من عدم حصول اليمين المتطرّف على رئاسة أية جهة، إلا أنه استطاع فرض أجندته السياسية، وإبراز المواضيع التي تحتل الأولوية في برنامجه، ما أجبر الأحزاب الأخرى على تبنّي جزء من أفكاره المتطرّفة، خصوصاً فيما يتعلق بالأمن والمهاجرين ومحاربة التطرّف والإسلاموية.

ثالثاً، هشاشة الأحزاب التقليدية، حيث حافظ حزب "الجمهوريون" على رئاسة الجهات، بفضل وجوه بارزة غادرت الحزب منذ سنوات، احتجاجاً على المنحى اليميني المتطرّف، على شاكلة فاليري بيكريس التي فازت في جهة إيل دو فرانس التي تضم باريس وضواحيها، أو على شاكلة جزافيي برتران، وزير العمل السابق، والذي فاز بأغلبية كبيرة في منطقة شمال فرنسا دفعته إلى الإعلان مباشرة عن ترشّحه للانتخابات الرئاسية المقبلة. ومن عجائب المصادفات أن الرئيس ماكرون اضطر للتصويت عليه، بعد فشل لائحة حزبه في الوصول إلى الدور الثاني، وإذا علمنا أن عدد المنتمين لهذا الحزب نزل من 215 ألفاً سنة 2014 إلى 65 ألف عضو أواخر سنة 2020، نعرف مدى الأزمة التي ضربت هذا الحزب، ونجاح استراتيجية ماكرون في تكسير عظامه، ولو أنه لم ينجح في بناء حزبه، الجمهورية إلى الأمام، ما يدعونا إلى القول إن ماكرون استطاع الهدم من دون البناء.

رابعاً، امتداد "الخضر" وارتفاع شعبيتهم، إذ لولا تحالفهم مع اليسار لما استطاع هذا الأخير الحفاظ على مواقعه، بينما نلاحظ أفول نجم حزب فرنسا الأبية، الذي يرأسه المعارض المشاكس والمرشّح للرئاسيات المقبلة كما السابقة، جان لوك ميلونشون.

خامساً، افتقاد الزعامات الحقيقية داخل الأحزاب التقليدية، إذ من الغريب والعجيب أن نرى أن استطلاعات الرأي، وحتى نتائج هذه الانتخابات، ما زالت تضع الرئيس ماكرون في المقدمة، متبوعاً بمارين لوبان، على الرغم من أن حزبيهما فشلا في الحصول على نتائج مشرفة.

المشهد السياسي الفرنسي غير مستقر، ولن يستقر توازن القوى السياسية إلا بعد معرفة أسماء جميع المرشحين لانتخابات الرئاسة

قد يكون من المجازفة الآن التنبؤ بما ستكون عليه الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في غضون عشرة أشهر، ففي الوقت الحالي، يمكن القول إن المشهد السياسي الفرنسي غير مستقر، ولن يستقر توازن القوى السياسية إلا بعد معرفة أسماء جميع المرشحين، كما أن السياق الاقتصادي والاجتماعي سوف يؤثر على تصوّر الفرنسيين، لا سيما مع بدء خروج البلاد من الأزمة الصحية التي لم تنته بعد، والتي لا تزال انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية غير واضحة.

ولكن، يمكن أن نستشرف المستقبل واستخلاص العبر والدروس من نتائج الانتخابات الإقليمية والجهوية، مع بروز مؤشّر كبير، يوحي بأن الانتخابات المقبلة لن تكون كمثيلاتها، إذ إن المستوى القياسي للامتناع عن التصويت في الجولتين الانتخابيتين، وغياب ثلثي الناخبين عن صندوق الاقتراع، يجعلان التكهن بنتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المقبلة صعب المنال. بيد أن من الأكيد أن هذه الانتخابات أضعفت كلا المرشحين البارزين، الرئيس ماكرون الذي يستعير أفكاره من اليمين المتطرّف، بغية مغازلة ناخبيه، ومارين لوبان التي تحاول أن تنفي تطرّفها وغلوها اليميني، وقابليتها بعض السياسات المحورية والمركزية الفرنسية، وتنحو منحى اليمين التقليدي، لا سيما فيما يخص الجانب الاقتصادي، ما يفتح باب المنافسة على مصراعيه لمرشّحين آخرين، خصوصاً من أوساط اليمين، وقد تكون لهم حظوظ وافرة، إذ غالباً ما يختار الشعب الفرنسي النسخة الأصلية للمنتوج في مقابل النسخة المقرصنة.