امرأة حملت الميزان
(صفوان داحول)
هل الحكاية تختارنا أم نحن مَن نختارها؟ حكايات كثيرة نسيناها ونسيتنا، وحكايات أخرى مشت معنا. حكايات رميناها في الشمس كأسنان طفولتنا بعد خلعها أو سقوطها، وأخرى ظلّت معنا كأنياب وضروس، وقد تدخل معنا قبورنا.
هل الحكاية بمثابة غمامتنا؛ تلك التي اخترناها كي نستظلّ بها، وكانت تلك الحكاية هدية الروح لنا، كي تمشي تلك الغمامة معنا إلى آخر أعمارنا، تمشي وتكبر معنا، لا نحن نسيناها، ولا هي نسيتنا؟
ظلّت حكاية "الحَلب" تمشي معي عقوداً. بعض أطيافها بهت، إلا "إنصاف" و"أمّ عيون": أختان. إنصاف رقيقة وهشّة، وكأنّها خطفت جمالها الخاص واكتفت به، رغم حظّها العاثر وعدم إنجابها. وأمّ عيون، وهي الضاحكة وفتوّة البيت وصاحبة القلب الذي يجلجل بالفرح؛ وفي الغناء يتحشرج صوتها بما يشبه النحيب لولا ضحكتها. وهي وتد الأسرة، والحَلب في ما بعد، وخاصة من استقر منهم واشترى البيت بعد ما شبع من الطواف والترحال ودقّ الخيام ونصبها في الريح.
أختان في طرفي نقيض: واحدة تكلّم النجوم فقط عن أسرارها ووحدتها وحظّها العاثر رغم جمالها الآسر، وأخرى تجلجل بالضحك في كل مكان، وتضحك حتى مع العصافير، وتحمل العصا في العراك إن لزم الأمر، حمايةً لزوج طيب يحترمها، وتحمل مداسه فوق رأسها كما كانت تقول.
زوج إنصاف الأول كان من جماعة الحَلب. وبعد مناوشاتٍ مع أسرتها وإنصاف، قَتل والدها، بعد الفجر، بسنّ الربابة وهرب. فتزوجت بعد سنوات تاجر قماش طيباً، لطيف الملامح، يلف عمامته المهندمة، ويمشي بالقماش "حراير ليبيا"، كما كان ينادي. وفي المغارب يعود "بالبُقجة"، فتعدّ له إنصاف الشاي، وهو يرمي في حجرها الفول السوداني. وتقشّر له أمّ عيون الفول وترميه في حجره، حتى ملّت إنصاف من الغناء القليل في الأفراح في نهاية الستينيّات، فمشت مع تاجر القماش إلى بلاد الله، وظلّت أسرار قلبها مع أختها "ميزان العيلة"، أمّ عيون.
كانت في الفرح ترمي إنصاف حزن عينها الجميلة محاولةً صيد ابتسامة ما، وتقول: "حظّ العدالة"، فتردّ عليها أمّ عيون بصوتها المحشرج: "مايل ليه؟". وكأنّ إنصاف كانت تغنّي فقط لعينها هي، وكأنّ أمّ عيون بردّها كانت تطيّب خاطرها. حتى جاء تاجر القماش هذا الطيّب المبتسم اللين، وصاحب الهدمة النظيفة والمحفظة التي تجود في المغارب لشراء أشياء البيت لهم. كان الرجل يدفع يده بلطف في قلب محفظته ويناولها لإنصاف، فتتناوله منه بعيون ممتنة، وتنادي على العيال كي يشتري ما تريد.
حتى جاء اليوم الذي لبست فيه ذلك الملس الأسود الذي يشير إلى الحَلب أيضاً، ولكن في أوان سفرهم ومفارقتهم الأهل إلى مكان آخر بعيد. وقد تركت لأمّ عيون البيت والميزان ودمع الفراق، وقالت إنصاف باكيةً لها في الوداع: "أبو عيون بطل، والبطل لا يُخاف عليه"؛ وتقصد أمّ عيون. فردت أمّ عيون عليها: "أنت حمامتي يا غالية وأختي، وبيتي بيتك إن تعبتك الدنيا يا إنصاف". وشدّتها من ذقنها الجميل، وسلمت على زوجها تاجر القماش، ومشت.
ظلت أمّ عيون في مكانها وبيتها كوتد، تنتقل من بيت لبيت من دون أن تفارق البلد، وزادت سلطتها على الحَلب حتى صارت هي "شيختهم". وتدفع أيضاً الغرامة لصاحب الحق وتعتذر إن تعذّر عليه الدفع. وتعاتب بعض العيال والرجال أيضاً على بعض الأفعال الناقصة أو الخسيسة، من دون أن تفرّط أيضاً في حقها في طلب الغزل في القعدة، حتى في وجود الزوج الطيب الذي تحمل مداسه فوق رأسها، وتشيل العصا خلفه إن حدث العراك، حتى مع أي مليح في البلد. ولا تفرّط أمّ عيون أبداً في جرة الكحل من المرود، حتى وإن كانت ذاهبة إلى جنازة، أو حتى مصيبة للحَلب في أيّ بلد قريب أو بعيد.
ظلّت أمّ عيون شيخة الحَلب سنوات. وأحياناً تضرب بالكفّ، وفي آخر الجلسة تأخذ المضروب في حضنها قائلة: "أنت زي المرحوم شعلان يا واد، اسكت... خلاص هجوزك كلبتي"، فيضحك الزوج الطيب ويناولها الشاي.
كبرت أمّ عيون حتى صارت كالجمل يمشي، والأحفاد من خلفها بالعصي إن لزم الأمر، لو كانت ذاهبة إلى مشكلة أو ميعاد يخص الحَلب. حتى جلست في آخر أيامها على المصطبة الرخام تحلّ المشاكل. وفي آخر ليلة لها كانت تضحك، وصوت ضحكاتها يصل للجيران، وذلك على عيال الحَلب العبايط الذين "يحارقون" بعضهم بحرق النعمة، وهي الفلوس. وقالت: "الجدع اللي يحارق... يحارق في لقمة عيشه... مش في حرق الفلوس، والقمل والعقارب سارحة في هدومه".