اليمين الفرنسي المتطرّف في خطر

27 ديسمبر 2020
الصورة

مارين لوبين في مشاركتها في إحياء ذكرى جان دارك في باريس (1/5/2020/Getty)

+ الخط -

فشلت، في فرنسا في عام 2017، المرشّحة الرئاسية، مارين لوبين، رئيسة حزب التجمّع الوطني، اليميني المتطرّف، في مناظرة المرشّح، إيمانويل ماكرون، والذي فاز إثرها في الانتخابات الرئاسية. وعاب المراقبون على لوبين ضعف حججها السياسية، إضافة إلى جهلها بالوضع الاقتصادي المحلي، كما فقدانها أعصابها أمام "الشاب" ماكرون، المتميّز اقتصادياً ومالياً وإدارياً، في الخطاب على الأقل. ومنذ ذاك التاريخ، لم تتراجع النقاط التي حصدتها لوبين في الرأي العام الفرنسي عن 20%، وإن ارتفعت، في بعض الأحيان، لتصل إلى 30%. وهي مؤهلة بالتالي لخوض الانتخابات المقبلة بقوة، ما دام التشرذم يُسيطر على المشهد اليساري، وفي ضوء الضعف البنيوي لليمين التقليدي. 

يفتقد حزب التجمّع الوطني، وهذا ليس جديدا، لتصور واضح لمشروع اجتماعي واقتصادي بديل، والذي يمكنه أن يستقطب أصواتاً أكثر ضمن الفئات العاملة، والتي تنتمي إلى الطبقة الوسطى وما دون. وعلى الرغم من تشبثه بمبدأ الحمائية وتعزيز الحدود، إلا أنه لم يجرؤ على رفض العملة الأوروبية الموحدة، خصوصاً في السنوات القليلة الماضية. وبناءً عليه، هو يحصر سياساته الاقتصادية في اعتبار أن الخطر الأكبر هو الهجرة، وما تحمله من يد عاملة منافسة، كما السوق المفتوحة. كما أن اقترابه من الليبرالية الأميركية المتطرّفة، والتي رسّخها دونالد ترامب، لا تمنعه عن التمايز في ما يخص مبدأ تدخل الدولة الذي يسعى الحزب إلى تثبيته في قيادة الدفّة الاقتصادية.

يفتقد حزب التجمّع الوطني لتصور واضح لمشروع اجتماعي واقتصادي بديل

بعد وصول ماكرون إلى قصر الرئاسة، سعت مارين لوبين إلى تعزيز قاعدتها الانتخابية، مهيئة لرئاسيات 2022، فصار من الضروري إعلامياً إدخال بعض الاعتدال في الشكل، حتى يمكن اعتماد حزبها محاوراً مقبولاً إعلامياً، والابتعاد عن "شيطنته". وأضحى ممثلوه ضيوفاً شبه دائمين على الإعلام. واقتصادياً، حيث نقطة ضعفها الأشد، استقطبت مستشارين اقتصاديين للتحضير لمشروع متماسك نسبياً وله هوية، بحيث يختلف عما سبق، وابتدعته من أوراق اقتصادية مبعثرة، تعتمد الخوف من الأجنبي فقط عقيدة. 

سعى "التجمّع الوطني" في السياسة الخارجية إلى التقرّب أكثر فأكثر من موسكو، على اعتبار أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو تجسيد لرأس الدولة القوي والوطني، والذي تسعى أدبيات التطرّف اليميني الأوروبي إلى أخذه مثالا يُقتدى به. وفي هذا الإعجاب، يتشابه متطرّفو اليمين مع متطرّفي اليسار، بالإعجاب ببوتين القوي، والذي يتحدّى "الإمبريالية" الغربية. وأوروبياً، عزّز الحزب من التحالفات القائمة مع نظرائه الإيطاليين والنمساويين والألمان، كما تقارب مع بعض متطرّفي أوروبا الوسطى والشرقية، والذين وصل بعضهم إلى الحكم، كما في بولونيا وفي المجر. وفي البرلمان الأوروبي، لعب الحزب دوراً متقدّماً في محاولة تعزيز المجموعة اليمينية المتطرّفة من النواب، ولكنه لم يتمكّن من المحافظة على تماسكها، لتطرّف يميني "زائد" لدى بعض الحلفاء، كما الألمان مثلاً.

سعت مارين لوبين إلى الاستمرار في استقطاب المحبطين من اليسار التقليدي العامل، من خلال خطاب اقتصادي حمائي وتخويفي

وفي السياسة الداخلية فرنسياً، سعت مارين لوبين إلى الاستمرار في استقطاب المحبطين من اليسار التقليدي العامل، من خلال خطاب اقتصادي حمائي وتخويفي. وغازلت الديغوليين بتبنّي مسار الجنرال شارل ديغول، وهي العارفة أن يمين الوسط يعتمده مرجعية "فكرية" ووطنية. لكنها فشلت حتماً في هذا المسار، لحذرها الشديد من التوجه الديغولي الواضح، لما لذلك من تأثير سلبي على جزء هام من ناخبيها المنتمين إلى "الحركيين" و"الأقدام السوداء". الحركيون هم من حاربوا إلى جانب الجيش الفرنسي من الجزائريين، والأقدام السوداء هم فرنسيو الجزائر قبل التحرير. والطرفان يعتبران ديغول خائناً في تخلّيه عن الجزائر، والتسبب في تعرّضهم للانتقام وللهجرة نحو فرنسا. 

يُعتبر وزيرا الداخلية والتربية نجمين يحجبان عن اليمين المتطرّف فرص التقدّم

كان لحزب التجمع الوطني محاور جدل داخلي يبرع باستغلالها، وينجح أحياناً، وهي الأمن والهجرة والإسلام. ويمكن اختصارها بمحور واحد متفجّر "المسلمون مهاجرون يهدّدون الأمن الوطني". وقد توسّع اليمين المتطرّف في الأمر ليصل إلى حدود مفهوم الأمن الإنساني، فانتشار فيروس كورونا في فرنسا رُبط في خطابه بالقادمين من خلف الحدود من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أما الإسلاموفوبيا (الرهاب من الإسلام) فعلى الرغم من ترسّخها في عقلية المنتمين للحزب، إلا أن التعبير عنها تراجع شكلياً على الأقل ضمن حسابات مارين لوبين السياسية، ما دعاها حتى إلى الابتعاد عن بعض الرموز الأكثر تطرّفاً ضد المسلمين، كما جان مسيحا (مصري الأصل) بعد أن كان عضواً بارزاً في الحزب. وفشل سعي الحزب إلى استغلال الأحداث الإرهابية أخيرا في فرنسا لسيطرة مسألة الوباء على المشهد العام. 

مع الحكومة الفرنسية الحالية، والتي تكاد تحصر كل مشكلات البلاد المتراكمة بهذه المحاور، ولو اختلفت أحياناً طريقتها في الإشارة إليها، فقد صارت منافسة اليمين المتطرّف لها في هذا الاتجاه صعبة للغاية، وتكاد تكون شبه مستحيلة. وفي ظلّ القبول الرئاسي بهذا التوجه، يُعتبر وزيرا الداخلية والتربية نجمين يحجبان عن اليمين المتطرّف فرص التقدّم، لوجودهما أحياناً على يمينه، أو هما قد تبنّيا خطابه، فخسر "الحصرية".

لم يعد المتطرّفون اليمينيون هم فقط من ينمّط المسلمين ويعزّز الرهاب منهم، ويضع مسألة الهجرة في صلب المخاطر المحدقة بالبلاد، ويسعى إلى تقنين انتهاكات الحريات. لقد تجاوزهم الخطاب الرسمي، وجعل مستقبلهم في خطر.