اليمن والابتزاز الإيراني

اليمن والابتزاز الإيراني

14 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

لا يبدو أن كل الأخبار التي تتوالى يومياً عن الوضع الكارثي الذي يعيشه اليمنيون ستؤدي إلى إيجاد انفراجة في الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من ست سنوات. فعلى غرار السنوات الماضية، تتبدّد دائماً المعطيات التي تؤشّر إلى إمكان حصول اختراقٍ في دوامة العنف المستمر في اليمن، ولا سيما في ظل تعقد الصراع وتعدّد أطرافه، فالأمر لم يعد فقط حكراً على قتال الحوثيين و"التحالف العربي"، المكون أساساً من السعودية والإمارات، بعدما عملت الأخيرة على تكوين كيان جديد له أجندته المتعارضة تماماً مع ما قام عليه "التحالف" في الأساس.

مع وصول إدارة بايدن إلى الحكم، وبدء حديثها عن تعليق بيع الأسلحة الهجومية إلى السعودية، وهو ما فعلته لاحقاً، تم توقع أن ينعكس ذلك على الحرب في اليمن، إن لجهة وقفها نهائياً أو الوصول إلى هدنة ضرورية لإدخال المساعدات الغذائية لمئات آلاف اليمنيين الذي باتوا مهددين بالجوع. إلا أن الأمور ازدادت تعقيداً مع الحملة التي شنها الحوثيون في محافظة مأرب، وهو ما أجج المعارك مجدداً في البلاد وأعاد الوضع الميداني إلى أسوأ مما كان عليه. هذا الأمر الذي باتت تدركه الإدارة الأميركية، والتي قدّمت عبر مبعوثها إلى اليمن، تيموثي ليندركينغ، خطة لإنهاء المعارك في البلاد، إلا أنها قوبلت بتصلب حوثي أسقط المبادرة، والتي قال عنها الحوثيون إنها شملت شروطاً من قبيل "تحديد وجهات مطار صنعاء"، الخاضع لهم و"إصدار التراخيص للرحلات من التحالف"، و"عدم التعامل مع جوازات السفر الصادرة عن صنعاء".

غير أنه لا يمكن فصل الرفض الحوثي عن مسار تعقد مفاوضات العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ولا سيما أن واشنطن عمدت، قبل تقديم خطتها، إلى تسليف الحوثيين مواقف بدأت برفعهم عن قائمة الإرهاب التي كانت قد ضمتهم إليها إدارة دونالد ترامب، وانتهت بتعليق منح السعودية أسلحة لاستخدامها في حرب اليمن. فمن المعلوم أن الحوثيين ونفوذهم في اليمن هو صنيعة إيرانية في إطار مسعى طهران إلى تمدد نفوذها في المنطقة العربية، وهو ما حدث أيضاً في سورية والعراق ولبنان. وبالتالي فإن طهران لا تتوانى عن استخدام هذه الأدوات للابتزاز عند الحاجة. ويبدو اليوم أن الحاجة ملحّة بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية للضغط على الولايات المتحدة لتقديم تنازل في ما يتعلق بالعودة الأحادية إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة ترامب، من دون أن تضطر طهران إلى التراجع عن أي من الخطوات التي قامت بها منذ ذلك الانسحاب، وهو ما يدأب المسؤولون الإيرانيون، المحافظون منهم والإصلاحيون، على تكراره في أكثر من مناسبة.

التصعيد الحوثي الأخير في مأرب، ورفض المقترح الأميركي، يأتيان في سياق هذا الابتزاز، إضافة إلى جبهات أخرى مفتوحة، سواء في العراق والهجمات الصاروخية المتلاحقة على المصالح الأميركية أو حالياً في الخليج العربي والهجمات على ناقلات النفط. ابتزاز ترى طهران أنه سيكون ناجعاً، وخصوصاً أنها تقرأ من السلوك الأميركي الأخير حرصاً من إدارة بايدن على أن حل الملف الإيراني أولاً، باعتبار أنه سيكون له انعكاسات على باقي ملفات المنطقة. وفي ظل عدم رغبة الإدارة الأميركية في التصعيد، وهو ما بدا من رفع بعض العقوبات عن طهران، تعمد الجمهورية الإسلامية إلى الحصول على الحد الأقصى من التنازلات من الإدارة الأميركية.

وفي سبيل الحصول على هذه التنازلات، لا تهتم إيران بتدهور الأوضاع المأساوية في اليمن، وتعقد الحلول التي من شأنها أن تنقذ اليمنيين من شبح العطش والجوع، ناهيك عن الموت والتشرد، فالأولوية لكسر شوكة "الشيطان الأكبر"، حتى لو على حساب أرواح البشر.