اليسار المغربي وأسئلة الإصلاح

08 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

جاء انسحاب القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد، والنائب البرلماني عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، عمر بلافريج، من العمل السياسي، ليعمّق الانقسام أكثر داخل الفيدرالية التي تشكلت في 2014 من أحزاب الاشتراكي الموحد والطليعة الديمقراطي الاشتراكي والمؤتمر الوطني الاتحادي. وقد كشفت الاستقالة عجز الأحزاب الثلاثة عن تجاوز تناقضاتها، وإعادة بناء اليسار المغربي بعد الانتكاسات التي مني بها خلال العقدين المنصرمين، وفي مقدمتها إخفاقُ حكومة التناوب التي قادها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (1998- 2002)، في تحقيق التحوّل الديمقراطي.

وفي وقتٍ كان يُنتظر أن تشكّل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة فرصة للفيدرالية للتموضع داخل المشهد السياسي، بالتأكيد على برنامجها السياسي الذي يطالب بدستورٍ ديمقراطيٍّ وملكيةٍ برلمانيةٍ وفصل السلطات، أخفقت مكوناتها في التوافق على خريطة طريق واضحة، تُيسّر اندماجها في حزبٍ كبير، يستوعب مختلف أطياف اليسار المغربي، ويعيد بعض الاعتبار للعمل السياسي، في ظل استمرار تعطّل مشروع التحول الديمقراطي، وزيادة منسوب الاحتقان الاجتماعي، والذيول الاقتصادية والاجتماعية التي يتوقع أن تخلفها الجائحة. والواقع أنّ إخفاق الفيدرالية في هذا المسعى يُعدّ أحدَ أوجه الأزمة البنيوية التي يتخبّط فيها هذا اليسار منذ سنوات، والتي تتجلّى بالأساس في افتقاده رؤية متوازنة للواقع، تأخذ بالاعتبار ميزان القوى الحالي، والتحوّلات المجتمعية الحاصلة، وتوازنات النظام الدولي الحالي، والأشكالَ الجديدةَ للتعبئة الاجتماعية التي أصبحت تتغذى على ما تقدمه منصّات التواصل الاجتماعي من إمكاناتٍ غير مسبوقة في هذا الصدد. ويعود افتقاد الأحزاب اليسارية المغربية هذه الرؤية، في جانب كبير منه، إلى غياب دوران النخب داخل هياكلها ومؤسساتها، واستمرار هيمنة الشرعية النضالية والتاريخية التي تحصر صناعة القرار الحزبي في القيادات التاريخية. وهو ما يعمّق أكثر مأزقها الإصلاحي، ويجعلها عاجزةً عن إنجاز مراجعة نظرية وسياسية شاملة لأطرها المرجعية، تُخوّلها الاشتباك بالواقع وما يفرزه من توترات.

لم يقدّم اليسار المغربي طروحات أو اجتهادات بشأن ما استجدَّ من قضايا داخل المجتمع، خصوصاً ما يتعلق بالهوية والمرأة والحريات الفردية. وهي القضايا التي تغذّي الانقسام المجتمعي، وتَعُوق بناءَ توافقات كبرى بشأن مقتضيات التحوّل الديمقراطي، وبالتالي تُمثّل حقل سلطة مضادًا ما فتئت السلطويةُ المغربيةُ تستثمر تناقضاته في إدارتها الصراع الاجتماعي والسياسي. وفي هذا الصدد، ظلت أحزاب اليسار غائبةً عن النقاش الذي كان يستجد، بين حين وآخر، بشأن هذه القضايا. ويمكن الإشارة، على سبيل المثال، إلى عجزها عن تقديم تسوية مجتمعية بشأن الخطة الوطنية لإدماج المرأة (1999). وفي الوقت الذي نجح الإسلاميون، الذين عارضوا الخطة جملةً وتفصيلاً، في نقل المعركة إلى داخل المجتمع، مستثمرين أنماط الوعي والتفكير المحافظة، أخفقت أحزاب اليسار في اجتذاب الفئات المحافظة، وإقناعها بمخرجات الخطة وإيجابياتها على المدى البعيد. وقد شكل هذا الإخفاق عائدا سياسياً بالنسبة للسلطة والإسلاميين على حدّ سواء.

لم يفلح اليسار المغربي في الانعطاف بأسئلة الإصلاح نحو تسوياتٍ فكريةٍ ومجتمعية، تعيد صياغة تناقضات المجتمع في برنامج سياسي واجتماعي وثقافي، يتجاوز إرث العقائد السياسية الكبرى التي بقي يتغذّى عليها عقوداً، ويسهم في مصالحة المغاربة مع السياسة، باعتباره طريقاً ثالثاً بين الأحزاب المصطفة حول السلطة، بمختلف امتداداتها الاقتصادية والاجتماعية، وحزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة منذ 2011. صحيحٌ أنّ تراجع اليسار يكاد يكون سمةً كونيةً أمام صعود الليبرالية الجديدة، وانتعاش أحزاب اليمين المحافظ والشعبوي، لكنّ ذلك لا يمنع من امتلاك الحدّ الأدنى من القدرة على تشخيص الأزمة ومظاهر القصور الفكري والتنظيمي في أداء اليسار المغربي، بمختلف أطيافه.

استمرار أحزاب هذا اليسار في التوسّل بمقولاتٍ وثوقية متجاوَزة، ورفضِ دمقرطة هياكلها وأجهزتها، وافتقادها مرجعيةً تستوعب التحولات التي يشهدها المجال العام، وتهرّبِها من إنجاز نقد ذاتي عميق، وفقدان قاعدتها الاجتماعية، ذلك كلّه يجعل مأزقها مركّباً، ما يحول دون مجابهتها التحدّيات التي تستجد داخل المجتمع المغربي.