الوضع العربي بين المصالحات والمناورات

الوضع العربي بين المصالحات والمناورات

06 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

يبدو المشهد العام في منطقتنا شديد التحرّك والتقلب في عدة اتجاهات، بما يوحي أن المعطيات التي استقرّت خلال السنوات الأخيرة في طريقها إلى التغير السريع، ولم تعد تقوى على الاستمرار، فقد جرت مياه كثيرة في النهر العربي وما حوله، على الرغم مما يبدو على السطح الخارجي من جمود واستمرار ظاهريْن. الكل يقف اليوم على أرضٍ متحرّكة تميد من تحت القدمين، ويبحث عن مساحةٍ، ولو صغيرة، من الاستقرار في مرحلة ما بعد ترامب، بما يتيح إعادة التموقع، أو إعادة الانتشار بالمصطلح العسكري، في المرحلة المقبلة.

فجأة، تم رفع الحصار عن قطر إثر تفاهمات سياسية سريعة وغير متوقعة بين الدوحة ودول الحصار، وقد توج ذلك بتبادل الزيارات والمجاملات في مستويات عليا مع اثنتين من هذه الدول، بعد ثلاث سنوات ونيف من العناد والاشتراطات المجحفة من المحاصرين. المصريون والأتراك يسرعون الخطى نحو تفاهماتٍ بدأت محتشمة من الأجهزة الاستخباراتية، ثم أخذت منحىً سياسيا مع زيارة وزير خارجية تركيا، جاويش أوغلو، القاهرة. الرياض وأنقرة بدأتا تقاربا محتشما بعد سنوات من الجفوة والقطيعة، خصوصا بعد حادثة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، وقبل ذلك محاولة الانقلاب على الرئيس أردوغان الفاشلة في صائفة 2016، كما تتجه الرياض إلى التحاور مع طهران، بتوسط العراقيين بعد مدة طويلة من القطيعة والاحتكاك العسكري والسياسي المباشر وغير المباشر في أكثر من موقع في المنطقة وخصوصا في اليمن ولبنان وسورية.

ما الذي حدث، حتى تتغير أو بالأحرى تنقلب الأمور بهذه السرعة، وتحل الزيارات والابتسامات والمجاملات الدبلوماسية بعد هذه السلسلة من الحروب الباردة والساخنة في مواقع كثيرة في المنطقة؟ هذه التغيرات السريعة هي جزء من مشهد دولي وإقليمي عام، يتسم بكثرة التقلبات والانعطافات، إذ تبدو اليوم خطوط الصراع والتحالف على السواء شديدة التحرّك حتى داخل الحلف الواحد، خلافا لحقبة الحرب الباردة التي كانت خطوط الصراع إبّانها واضحة وشبه مستقرة. لا شيء مستقر الآن، عدو اليوم ربما يصبح صديق الغد والعكس صحيح.

تبدو اليوم خطوط الصراع والتحالف على السواء شديدة التحرّك حتى داخل الحلف الواحد، خلافا لحقبة الحرب الباردة التي كانت خطوط الصراع إبّانها واضحة وشبه مستقرة

التغييرات الحاصلة في التوجهات السياسية لدولٍ كثيرة في المنطقة هي نتيجة تراكم مجموعة من المعطيات خلال السنوات الأخيرة، ولكن العامل الحاسم في ذلك يبقى الانتخابات الأميركية التي أدّت إلى صعود الديمقراطيين وسقوط ترامب. كان ذلك بمثابة زلزال كبير هزّ الأرض من تحت أقدام المحور المصري الخليجي أساسا، وإنْ كان مفعول هذه الانتخابات متفاوتا على الجهة المقابلة أيضا.

كانت علاقة هذا المحور بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تتجاوز، في حقيقة الأمر، النطاق التقليدي المعهود في البيت الأبيض، وتحولت إلى علاقة مركّبة يتداخل فيها الطابع الشخصي بالنفعي الأيديولوجي، في إطارٍ من التحالف الوثيق بين ما يمكن تسميتها اليمينية العربية واليمينية الأميركية المتطرّفة، فقد رأى هؤلاء في ترامب نعمةً نزلت عليهم من السماء، لأنه، بكل بساطة، سيواجه إيران وحلفاءها، وسيكسر شوكة الإسلام السياسي نيابة عنهم، ولن تكون الديمقراطية، ولا حقوق الإنسان في كل الأحوال، ضمن أجندته أو أولوياته. بلغةٍ أخرى، سيشفي غليلهم من كل ما يكرهونه في توجهات الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. وبسقوط ترامب المدوّي والمربك، فقدت هذه الدول الغطاء السياسي الذي كانت تخوض، تحت رايته، صراعاتها وتبني تحالفاتها، وقد كان ذلك متزامنا مع حالة الإرهاق المتبادل التي حلّت بجميع القوى المتصارعة في المنطقة، من المصريين والسعوديين إلى الإيرانيين والأتراك والقطريين. الكل أصابه قليل أو كثير من جراحات هذا الصراع ومخلفاته.

فتح السعوديون جبهات صراع كثيرة وفي كل الاتجاهات تقريبا، في اليمن ولبنان وسورية، وأخرى مع إيران وتركيا، والإسلام السياسي والقائمة طويلة، ولكنها كانت، في محصلتها النهائية، فاشلة بالتمام والكمال. وهكذا استشعرت الرياض خطر التحوّل في البيت الأبيض، وما عساه يتولد عن ذلك من ارتداداتٍ ثقيلة في ملف خاشقجي وحقوق الإنسان وموضوع اليمن وغيره، فقفزت بسرعة نحو فك الحصار، ثم جرّت معها القاهرة.

الحالة الإسلامية الديمقراطية ثبتت في تونس والمغرب وماليزيا وباكستان، وانتعش خط المقاومة بعد حرب غزة أخيرا

الإيرانيون بدورهم أرهقهم حصار اقتصادي ومالي طويل، زاده ترامب شدةً على شدّته السابقة، واستنزفت تدخلاتهم النشطة في سورية ولبنان واليمن وأفغانستان والقائمة طويلة. ولذلك باتوا يرغبون في شيء من التهدئة مع السعودية والخليجيين. وأنقرة هي الأخرى أنهكتها كثرة خطوط الصراع والاستهداف، من جماعة غولن ومخلفات الانقلاب الفاشل والأكراد في الداخل، إلى ملفات سورية وأذربيجان وليبيا والصومال وغيرها، والأثقل من ذلك كله ملف شرق المتوسط وصراعاته الساخنة حول الطاقة التي وضعتهم في احتكاك عسكري مباشر مع اليونانيين، ومن ورائهم الأوروبيين، يضاف إلى ذلك العلاقة المتوترة مع الإدارة الأميركية الجديدة، على خلفية ما سميت مجازر الأرمن. القاهرة هي الأخرى مثخنة بجراح معركتها الداخلية، بعد انقلاب 2013 وضغط المجموعات المسلحة جنوب سيناء، والأخطر من ذلك ملف النيل، شريان حياة وقوت المصريين (مصر هبة النيل كما يقال)، يضاف إلى ذلك ملف ليبيا الذي بنت فيه رهانات خاطئة، بسبب تحالفها مع حفتر الذي تم طرده من الغرب الليبي.

نحن هنا إزاء وضع متحرّك، يحاول فيه بعضهم التقليل من خسائره ما أمكن. وآخرون يحاولون تعزيز مكاسبهم في ميزان قوى متحرّك. ربما الطرف الوحيد الذي قطع الشك في أجواء الغموض هو أبوظبي التي حسمت أمرها باتجاه التحالف مع إسرائيل، باعتبارها أقرب طريق إلى قلب واشنطن، ثم لحماية نفسها من كل العواصف والارتدادات المحتملة، حيث يتصوّر حكام أبوظبي أنهم وضعوا أنفسهم في مأمن، بالتحاقهم العلني بالحلف الصهيوني.

تغييرات في التوجهات السياسية لدولٍ كثيرة نتيجة تراكم مجموعة من المعطيات

الأقرب إلى التوصيف لما يجري في المنطقة أنها خطوات تكتيكية وحركات التفافية، وليس بالضرورة تغييرا نوعيا في السلوك السياسي للدول. لكن ما جرى ويجري على الأرض لا يجب أن يخفي عنا بعض الحقائق المهمة، ومنها أن المحور المصري الخليجي قد تلقّى ضربات موجعة في أكثر من موقع في المنطقة، والأقرب إلى القول إنه خسر بالنقاط ولم ينجح في تحقيق شيء يذكر من أهدافه. .. صمدت الدوحة، بقيت تركيا خصما عنيدا، خليفة حفتر اندحر من غرب ليبيا، الحالة الإسلامية الديمقراطية ثبتت في تونس والمغرب وماليزيا وباكستان، وانتعش خط المقاومة بعد حرب غزة أخيرا. ولذلك كان هذا المحور الأكثر ضررا ووجعا من سقوط ترامب.

الخلاصة هنا، ليس مهما جدا معرفة ما إذا كانت هناك نيات طيبة أو خبيثة خلف هذه المصالحات، لأن سلوك الدول، كما الأفراد، لا يُقرأ في نهاية المطاف من خلال الدوافع الخفية (الله وحده يتولى السرائر)، بل من خلال النتائج والتفاعلات على الأرض. ما هو واضح أنها خطوات تكتيكية، وربما مؤقتة، لامتصاص موجة سقوط ترامب، ولكنها مع ذلك تظل خطوات مهمة، لأن من بين ثمارها تخفيف منسوب الضغط، وعودة الأمور، في الحد الأدنى، إلى مجراها السابق (ما قبل الربيع العربي). بيد أنه يتوجب لفت الانتباه إلى أن ما هو تكتيكي ومناور في سلوك الدول يمكن أن يتحوّل إلى استراتيجي، إذا استشعرت فعلا أن فوائد التسويات والتفاهمات أقل كلفةً وأكثر نفعا للجميع.