الوزيرة الوطنية الخارقة

11 يناير 2021
الصورة

هالة زايد تتحدث للصحافة في القاهرة (22/8/2019/ فرانس برس)

+ الخط -

منذ تولت هالة زايد وزارة الصحة في مصر، تلاحقها الانتقادات والاتهامات؛ من قلة الجدارة واقتصار خبرتها العملية على المسار الإداري، وليس العلاجي، إلى التشكيك في مؤهلاتها العلمية (حصلت على الشهادة العليا من إحدى دول أوروبا الشرقية)، ثم تعرّضت زايد لنقد لاذع في الشارع المصري، بسبب قراراتٍ اتخذتها، زادت معاناة المواطنين وأضرّت الأطباء. وأيضاً بسبب تصرّفاتها غير الملائمة، مثل زيارتها العام الماضي الصين، وظهورها من دون كمامة في أثناء ذروة انتشار كورونا هناك. 
وأبت الوزيرة المصرية أن تمرّ الموجة الثانية لانتشار فيروس كوفيد - 19، قبل أن تظهر في المشهد، وتترك بصمتها المعتادة المستفزّة، وتثير انتقاد المصريين وسخريتهم، فتصدّرت "التريند" مراتٍ في أيام قليلة. أولها عندما حضرت الوزيرة حفل زفاف في قاعة حفلات في أحد أفخم فنادق القوات المسلحة. وظهرت في صور الحفل وسط مئات المدعوين لم يكن أي منهم يرتدي كمامة، في اختراق علني للقواعد الاحترازية المشددة التي فرضتها الحكومة على جموع المصريين من أسابيع. وركّزت تعليقات رواد "السوشيال ميديا" على مناقضة سلوك هالة زايد التوجه الرسمي العام. كما طاولت الانتقادات أيضاً الاستثناء الذي تحظى به الفنادق والدور التابعة للقوات المسلحة من قرار منع الاحتفالات والتجمّعات الذي يطبق بصرامة على كل المنشآت المدنية.
في مقابل هذا الانتهاك العلني من الوزيرة المسؤولة عن قطاع الصحة في الحكومة المصرية للتعليمات المشدّدة الصادرة عن الحكومة ذاتها، أصدرت الوزيرة الخارقة قراراً بمنع التصوير في المستشفيات الحكومية التابعة للوزارة. وذلك بعد فضيحة وفاة أربعة مرضى معاً في قسم الرعاية المركّزة في أحد المشافي الحكومية في شمال مصر، بسبب نفاد الأكسجين اللازم لهم في حالتهم الصعبة. وفي أثناء الواقعة، قام مواطن بتصوير فيديو داخل أروقة المشفى، وظهر فيه طاقم الأطباء والتمريض في حالة هلع وعجز عن إنقاذ المرضى من الموت. وبدلاً من مساءلة القائمين على العمل في المشفى، والتحقيق في أسباب نقص الأكسجين، قرّرت الوزيرة منع التصوير في المنشآت الصحية التابعة للوزارة.
لم تكتف هالة زايد بقرار منع التصوير، بل خرجت لتعلن توفر مخزون كاف من الأكسجين اللازم للخدمات الطبية، بمختلف أشكالها. ووجهت الشكر لإحدى الشركات الخاصة لدورها في توفير نسبة كبيرة من كميات الأكسجين المتاحة. بعد أن زاد الطلب عليه عن المعتاد بأكثر من ثلاثة أضعاف. لم تنتبه الوزيرة إلى التناقض الصارخ في خطابها بين الكشف عن نسبة الزيادة في المطلوب وحجم الكميات الإضافية التي أمكن توفيرها، ما يكشف حقيقة أن القطاع الطبي في مصر صار بالفعل يعاني عجزاً كبيراً في الأكسجين، وأن وفاة مرضى بشكل متزامن لم يكن مصادفةً ولا نتيجة وفاة طبيعية. وبدلاً من الاعتراف بتلك الأزمة المصاحبة للموجة الثانية من كورونا، تسير الوزيرة على نهج رئيسها ورُفقائها في الحكومة، وبقية مؤسسات السلطة في مصر، وهو الإنكار التام لأي واقعة سلبية كاشفة لأي تقصير، ولو كان بسيطاً وقابلاً للتصحيح. وهي نفسها الوزيرة زايد التي قامت، قبل ثلاثة أعوام، بمزايدة وطنية فجّة، إذ قرّرت عزف النشيد الوطني صباح كل يوم في المشافي الحكومية. والسبب، حسب التفسير الرسمي الصادر عن الوزارة، "إرساء المبادئ والقيم ودعم ثقافة الأخلاق"!.
بهذه الوطنية المزعومة وذلك القصور الوظيفي، وزيرة الصحة هي الأكثر استثارة لمشاعر المصريين، واستفزازاً لروح السخرية الجامحة لديهم. لكنها ليست استثناءً، أو حالة فردية، فهي فقط أكثر انكشافاً ومباشرة ومحدودية في القدرات. لذا لم يعد استمرارها مثار دهشةٍ كما كان في الأعوام الماضية، فلئن كانت أخطاؤها تكفي لإقالتها، لأطيحت قبلها الحكومة ورئيسها.