الهُويَّة الوطنية
(فاتح المدرس)
ليست السويداء مجرّد مدينة سورية تشهد نزاعاً دموياً. ما يحدث هناك اليوم لحظة كاشفة لأزمة الدولة القومية العربية برمتها. نزاع محلّي بعد ما يفترض أنه انتصار للثورة على نظام مجرم، انفجر إلى حرب أهلية مصغّرة، فتداخلت فيه جبهاتٌ عابرةٌ للحدود: دروز من الجليل يحاولون عبور الحدود لنصرة "أبناء الطائفة"، في حين تستنفر عشائر سُنّية من لبنان للالتحاق بـ"أبناء العمومة" في الداخل السوري. ما نشهده ليس فقط تفكّك الدولة، بقدر ما هو ولادة ما يُشبه نموذجاً بديلاً للدولة، يتجاوزها وينقضها في آن. الدولة القومية، كما تخيّلها المشرقيون منذ "سايكس بيكو"، لم تنجح في إيجاد شعور عضوي بالانتماء الجمعي. إنما كانت مشروعاً هندسياً فوقياً، يُفترض أن يصهر التنوّع داخل بوتقة قومية موحّدة. ولكن في لحظة الأزمة، لا يعود المواطن يرى نفسه "سورياً" بقدر ما ينكفئ إلى طائفته أو قبيلته أو طيفه الثقافي. الدروز ليسوا وحدهم هنا؛ البدو ليسوا وحدهم. الجميع يتصرّف بوصفه جزءاً من سرديةٍ أضيق من الدولة، لكنّها (في نظره) أكثر صدقاً وأكثر استعداداً للقتال. من منظور علم الاجتماع السياسي، ليس هذا الانكفاء انحداراً، بل ارتداد طبيعي عن نموذج لم ينجح قط في الترسّخ. نحن لا نشهد انهيار دولة ناجحة، بل تفكّك شكل هشّ لم يستطع خلق عقد اجتماعي. ما يظهر في السويداء من اقتتال إعلان جماعي بأن الهُويَّة الوطنية كانت قناعاً فوقيّاً لا جذور له. والهُويَّة، حين لا تكون مؤسّسة على عدالة، تتحوّل وقودَ عنف.
اندفاع الدروز في الجليل لنصرة دروز سورية، والسُّنّة اللبنانيين لنصرة بدو الداخل، يُحيلنا إلى ما يمكن تسميته "تجاوز الحدود من تحت الدولة". بمعنى: حين تتآكل مشروعية الدولة، يصبح الجسم الاجتماعي لا يعترف بحدودها. الطائفة أهم من الجغرافيا. الرابط العرقي أصدق من الجواز. وهكذا تُعاد خريطة الولاء، لا حسب الوطن، بل حسب شبكة متخيّلة من القرابة، تتجاوز مفهوم السيادة الحديثة. من هذا المنظور يمكن فهم ما يحدُث بوصفه شكلاً من أشكال "تفكّك الشرعية التمثيلية". فالدولة، في النماذج الحديثة، تمثّل الشعب كلّه من دون تمييز. لكنها هنا تتحوّل (في نظر مواطنيها) فاعلاً طائفياً، أو متواطئاً، أو عاجزاً. وحين تنهار شرعيتها الرمزية، لا يعود لها من سلطة سوى العنف، وهذا العنف نفسه يصبح مرفوضاً لأنه غير عادل. ومن هنا يتولّد عنف مضاد، لا يقل طائفية، لكنّه مبرَّر من الداخل بوصفه "دفاعاً وجودياً". ما تقدّمه السويداء إذاً ليس استثناءً، بل نموذجاً مصغّراً لما قد يصيب دول المشرق العربي التي لم تحلّ بعد معضلة الهُويَّة. لا تزال الدولة سجناً لمكوّناتها، لا بيتاً لها. والطائفة، رغم كلّ محاولات الشيطنة، تظلّ المعبر الوحيد المتبقّي للشعور بالكرامة والحماية. وهذا بحدّ ذاته كارثة. لكن لا يمكن لوم الناس على التشبّث بالقبيلة حين تخذلهم الدولة، فالدولة التي لم تنصفهم، ولم تحمِهم، ولم توفّر لهم مساواة في الحقوق، لا يمكن أن تطلب منهم الولاء الصامت. العدالة لا تولّدها الحدود، بل تنتجها الثقة، والثقة هنا منهارة.
تقول أحداث السويداء لنا شيئاً مرعباً: حتى الوطنية القُطرية لم تُبْنَ، بل فُرضت. وأن الطائفة ليست "العدو الطبيعي للدولة"، بل أحياناً هي ملاذها الأخير حين تنهار كلّ مقومات العقد المدني. لذا، لا ينفع اليوم التنديد بـ"الطائفية"، ولا اجترار خطاب الوحدة الوطنية، بل لا بد من مساءلة جذرية: من يمثل من؟ من يحمي من؟ وما الدولة التي نريدها أصلاً؟ أمامنا اليوم مفترق: إمّا أن نبني مفهوماً جديداً للدولة، قائماً على التعدّد والاعتراف المتبادل، أو نستمرّ في العيش داخل حدود صورية تنهار كلّما اندلعت شرارة. وما لم نواجه حقيقة أن شعوبنا لم تُشفَ بعد من انقسامها الأولي، لن ننتج إلا دولاً مهزومة أمام أهلها، وأهلاً خائفين من دولتهم. ما يحدُث في السويداء ليس نكسةً أمنيةً. إنه اختبار للهُويَّة، وللوطن، ولجدوى الحدود. والأرجح أنه اختبارٌ رسبنا فيه جميعاً.