الهجرة والإرهاب وضغوط أوروبية على تونس

09 نوفمبر 2020
الصورة

وزيرا الداخلية التونسي (يمين) ونظيره الفرنسي بعد مباحثاتهما في تونس (6/11/2020/فرانس برس)

+ الخط -

كان للعملية الإرهابية التي قام بها أحد المهاجرين التونسيين غير الشرعيين في نيس، والتي راح ضحيتها أبرياء في كنيسة، تداعيات كبيرة على مستوى العلاقات الدبلوماسية بين تونس وفرنسا، سرعان ما شملت إيطاليا. استغلت الدولتان، تحت تأييد واسع من الاتحاد الأوروبي، تورّط مهاجرين تونسيين عديدين في أحداث إرهابية، من أجل تمرير مشاريع وخطط تتعلق بمكافحة الهجرة السرية والإرهاب، قد ظلت مجمدة أو مؤجلة سنوات عديدة. وجاءت، في هذا الإطار، زيارة وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دارمانان، تونس ولقاءاته مع رئيسي الجمهورية والحكومة ووزير الداخلية.
وكان الاتحاد الأوروبي قد مارس مثل هذه الضغوط على دول المغرب العربي، في نطاق ما سمّي آنذاك "حوار خمسة زائد خمسة"، والذي انطلق بعيد مسار برشلونة (1995)، وتلتزم بموجبه دول الجوار في المتوسط بذل قصارى الجهد، من أجل تطوير الشراكات الأمنية، والتعاون في مكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية والإرهاب... إلخ. وقد وجدت دول الاتحاد الأوروبي، وتحديدا فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، آنذاك في النظامين السياسيين في كل من المغرب وتونس، وإلى حد ما النظام في ليبيا، شريكا مهما في تلبية تلك المطالب. وغضت الطرف تماما عن انتهاكات لحقوق الإنسان عديدة كانت تجري في البلدان الثلاثة، في مقابل إيفاء هذه الأنظمة بتعهداتها تلك. شكل هذا السلوك ابتزازا حقيقيا لتلك الأنظمة، حتى يكون المقابل للتصدّي لتدفق الهجرة السرية، القادمة سواء من تلك الدول ذاتها، أو دول جنوب الصحراء، مساندة الاستبداد. وما تمويلات تحديث أساليب الرقابة الأمنية البحرية سوى ذرّ للرماد على العيون.

لا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يتسع خياله في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية خارج توريط تونس في مزيد من الاعتداء على حقوق المهاجرين

قامت ثورة في تونس سنة 2011، وعلى خلاف كل التوقعات، لم تتراجع موجات الهجرة غير الشرعية وتدفقاتها المختلطة، بل تفيد كل المؤشرات بارتفاع عدد الذين وصلوا إلى الشواطئ الإيطالية، ففي الأشهر القليلة الفارطة تمكن ما يزيد عن 11 ألفا من عبور المتوسط، والرسو على الشواطئ الإيطالية. تطورت تقنيات التواصل ووسائل العبور والشبكات المحترفة، حتى أصبحت الرحلة لا تستغرق سوى ساعات بعدد أصابع اليد الواحدة. ومع ذلك، تحصي منظمات الإغاثة وجمعيات العناية بالضحايا آلاف الذين يموتون غرقا في عرض المتوسط، علاوة على آلاف المفقودين.

قامت ثورة في تونس سنة 2011، وعلى خلاف كل التوقعات، لم تتراجع موجات الهجرة غير الشرعية وتدفقاتها المختلطة

ما إن سقط النظام، حتى بادر الاتحاد الأوروبي إلى الضغط على السلطات التونسية، من أجل أن تتحوّل الى فضاء لوقف تدفقات الهجرة، وتحويل تونس إلى حدود أوروبية متقدمة، أي أن تلعب دورا أمنيا متزايدا من أجل محاربة الإرهاب والهجرة السرية. وقد تم هذا الخلط المتعمد بين الظاهرتين. وساهمت عمليات إرهابية حمقاء ووحشية ارتكبها مهاجرون في هذا الخلط، وتضخيم الخطر الذي يمثله المهاجرون، وتواصل هذا الضغط. ولكن نحو 25 ألف مهاجر تونسي وصلوا، خلال أسابيع قليلة بعد الثورة، إلى جزيرة لمبيدوزا وحدها. وهدد آنذاك وزير الداخلية الإيطالي تونس بإرسال قوات خفر السواحل إلى الشواطئ التونسية، من أجل التصدّي للمهاجرين وضرب شبكات التهجير.. ولتطويق الأزمة، زار رئيس الحكومة آنذاك، الباجي قائد السبسي، إيطاليا في إبريل/ نيسان 2014، وبدأت تونس تستقبل مهاجريها غير الشرعيين المرحلين.

قد تكون الشراكة الاقتصادية وقبول المهاجرين ضمن اتفاقيات ثنائية، بداية حلٍ يرضي جميع الشركاء

تحت صخب هذه التهديدات ذاتها، وبعد عقد تقريبا، استقبل الرئيس التونسي، قيس سعيد، وزير الداخلية الفرنسي، قبل أيام، من أجل بدء إجراءات فاعلة، من شأنها إيقاف تسرّب المهاجرين إلى الفضاء الأوروبي، والذين قد يكون من بينهم إرهابيون. تطمح فرنسا أن تتحوّل تونس إلى قاعدة خلفية لإعادة ترحيل المهاجرين الأفارقة تحديداً، فضلا عن قبول ترحيل آلاف التونسيين الذين تسللوا إلى إيطاليا وغيرها. وقد أفادت تصريحات وزير الداخلية التونسية، توفيق شرف الدين، بأن بلاده مستعدة "لتسلم كل التونسيين المرحلين في نطاق اتفاقيات تحترم حقوقهم الإنسانية". ولكن ضمنيا، كان يشير إلى رفض تونس أن تكون الشراكة الأمنية تتضمن استقبال مهاجرين أفارقة من أجل إعادة ترحيلهم إلى بلدانهم، ولو تحت التهديد، أو إغراءات التمويل والمساعدات... ولا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يتسع خياله في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية خارج توريط تونس في مزيد من الاعتداء على حقوق المهاجرين، وهي التي تملك أكثر القوانين تشددا في المنطقة.
انعقدت عشرات القمم العالمية حول الهجرة في السنوات الخمس الأخيرة، آخرها قمة مراكش (ديسمبر/ كانون الأول 2018)، من أجل التصرف بشكل فعال مع موجات الهجرة غير الشرعية، وقد اختلطت تدفقاتها بطالبي اللجوء، وغدت معضلة إنسانية وأمنية في الوقت نفسه. ولكن كل المعطيات تؤكد أن نسق هذه التدفقات يواصل الارتفاع. وقد تكون الشراكة الاقتصادية وقبول المهاجرين ضمن اتفاقيات ثنائية، بداية حلٍ يرضي جميع الشركاء، إذا ما تخلوا عن وهم الدرجة الصفر من الهجرة، كما حلم مرة وزير الداخلية الفرنسي شارل باسكوا الأسبق (1993-1995).