النووي الإيراني وخيارات طهران الصعبة
في وقتٍ يريد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، استثمار حالة الإرباك التي أحدثها بقراراته المثيرة في غير مجالٍ، يسعى النظام الإيراني إلى الحفاظ على مكاسبه النووية من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية غير محسوبة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ضمن هذا السياق، جاءت الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية الإيرانية في مسقط، بوساطة عُمانية، لتعكس تطلّعَ الطرفَين إلى إنجاز اتفاق نووي جديد، وإنْ كان لكلّ طرف حساباته التي لا تنفصل عمّا يشهده الإقليم من تطوّرات متسارعة، فطهران تدرك أن مياها جرت تحت جسور الإقليم خلال الأشهر السبعة الماضية، بدءا باغتيال الأمين العام الأسبق لحزب الله، حسن نصر الله، مروراً بسقوط نظام بشّار الأسد في سورية، وتفكّكِ ما كان يُعرف بمحور المقاومة، وانتهاءً بفوز ترامب بولاية رئاسية ثانية. غير أن ذلك لا يمنع من القول، إن إيران لا تزال تملك بعض الأوراق، أبرزها منظومتها من الصواريخ، ودعمها الحوثيين في اليمن، وهي أوراق تسعى من خلالها إلى تعزيز موقعها التفاوضي، وبالتالي، الحفاظ على الحدّ الأدنى من قدرتها على الردع أو حتى المناورة، لا سيّما في ظلّ الانفلات الذي تشهده القوة العسكرية الإسرائيلية في الإقليم بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة. وبذلك، فإن أيّ اتفاق جديد بالنسبة إليها ينبغي أن يكون مقروناً بضمانات سياسية واضحة، لا تقتصر على التزام الإدارة الأميركية ببنود الاتفاق فقط، بل تتخطّاها إلى ضمان التزام دولة الاحتلال بعدم مهاجمة منشآتها النووية.
في السياق ذاته، أثّرت العقوبات الأميركية بشكل كبير في على الاقتصاد الإيراني، خاصّة على صعيد ارتفاع معدّلات التضخّم والأسعار وتراجع الناتج المحلّي الإجمالي، هذا من دون الحديث عن قطاعات اقتصادية كبرى شلّتها هذه العقوبات. من هنا، تسعى إيران إلى أن تُفضي جولات المفاوضات مع الإدارة الأميركية إلى رفع هذه العقوبات، وفكّ الخناق عن اقتصادها المنهك، بما يعنيه ذلك من انفراج اجتماعي بالنسبة إلى قطاعات اجتماعية عريضة.
في المقابل، لا تفصل الإدارة الأميركية "النووي الإيراني" عن استراتيجيتها في الإقليم، استراتيجية يتصدّرها ضمان التفوّق العسكري لإسرائيل، واستئناف مسارات التطبيع العربي الإسرائيلي، وتصفية القضية الفلسطينية بتهجير الفلسطينيين واجتثاث حركات المقاومة، بالتوازي مع استخلاص العائدات الاقتصادية لهذه الأهداف الاستراتيجية. غير أن حصولها (الإدارة الأميركية) على مكاسبَ اقتصاديةٍ مجزيةٍ من إيران، قد تجعلها أكثر ليونةً فيما له صلة بتفكيك البرنامج النووي الإيراني. ولذلك، فإن فتح صانع القرار الإيراني المجالَ أمام الاستثمارات الأميركية من شأنه أن يجعل ترامب أكثر تفهّما للتطلّعات النووية الإيرانية، من دون أن يعني ذلك بالطبع السماح لطهران بامتلاك سلاح نووي يهدّد دولة الاحتلال، ويُقوّض ميزان القوى في الإقليم، ويشكّل تهديداً للمصالح الأميركية. ذلك يمثّل هاجساً استراتيجياً بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي يتخوّف من توصّل الطرفَين الأميركي والإيراني إلى اتفاق جديد يمنح إيران هامشاً جديداً للمناورة واللعب على التناقضات الإقليمية وكسب مزيد من الوقت، ولذلك يسعى لاستغلال ''فرصة تاريخية'' لا تعوّض لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بعد الضربة الموجعة التي تلقّاها ''محور المقاومة''، التي تُعدُّ إيران عرّابه السياسي الأوّل في الإقليم. ويعلم (نتنياهو) أن نجاح ترامب في الحصول على مكاسب اقتصادية في أيّ اتفاق مع إيران سيربك حساباته، التي تمتدّ من غزّة إلى إيران، مروراً بلبنان وسورية.
يمكن القول إن إيران باتت أكثر واقعيةً بعد الانتكاسة التي مُني بها حلفاؤها في لبنان وسورية، هذه الواقعية قد تسعفها في الذهاب نحو القبول باتفاق نووي بأقلّ الخسائر. وعلى الرغم من وجود جناح محافظ متشدّد يُهيمن على معظم مفاصل القرار السياسي في طهران، إلا أن هناك على ما يبدو توافقاً بين أجنحة النظام على خيار التفاوض مع ترامب، في أفق الخروج بأقلّ الخسائر التي لن تكون بالضرورة أكثر وقعاً ممّا قد تحمله مواجهةٌ عسكريةٌ مفتوحةٌ مع الولايات المتحدة وإسرائيل.