النهج الإسرائيلي للنظام في درعا

النهج الإسرائيلي للنظام في درعا

06 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

واحدةٌ من شمائل النظام، غاصب السلطة في سورية، وفاؤه للنهج الإسرائيلي الذي يتّبعه في حروبه المتتابعة ضد الشعب السوري. النهج الذي يأنف من أي صيغةٍ أخرى غير القتل في "التعامل" مع الخصم أو العدو، ويرى أن ما لا يتم حلّه بالقوّة يحلّه مزيدٌ من القوة. من أجل أن "ينتقم" في عام 1982 من نحو 300 "مطلوب إرهابي" من الإخوان المسلمين، يعتصمون في حماة، لا مشكلة أبداً لدى النظام من استخدامه بطشاً مروّعاً وقوة نيرانٍ مدمِّرةٍ، بعد حصار قاسٍ وطويل، فيقتل في الأثناء نحو ثلاثين ألف مدني في المدينة التي لا لزوم لها بحسبه. يفعل المحتلّ الإسرائيلي هذا، يدمّر مخيم جنين في عام 2002، بعد حصار ومعارك ومواجهات، ويهدم 455 منزلاً بشكل كلي و800 جزئياً، ويقتل 65 مدنياً، بينهم مقاتلون، وذلك كله انتقاماً من بضعة محاربين. وأرشيف المشابهات بين الوحشيتين، الإسرائيلية والأسدية، ثقيل. وأظننا، في غضون المقتلة النشطة حالياً في درعا، مدعوّين إلى القراءة فيه جيداً، لأننا سنخلص إلى النتيجة أعلاه: وفاء النظام الحاكم في دمشق لنهجه الإسرائيلي، من قبيل الملحوظ في متاهات مفاوضاته في جنيف وغيرها بشأن لجنةٍ دستوريةٍ ومناطق لخفض التصعيد وحكاياتٍ غيرهما، ورّطنا نظام الأسد، في واحدةٍ من أسوأ نجاحاته، الباهرة حقاً، في التعامل الإعلامي معها بوصفها من شؤون السياسة، فيما السياسة التي يحترفها هذا النظام مُشاغلة خصومه بالدوران في مناطق العبث التي يختلقها، بينما تؤدّي الصواريخ والقذائف والبراميل والغازات المحرّمة وظائفها.
تجري في درعا مفاوضاتٌ بين وفد من النظام برئاسة مدير المخابرات وممثلين من الأهالي المحاصَرين، وبمشاركات روسية وحضور مليشياوي إيراني مسلّح، ثم نطالع أن المفاوضات انهارت، وأن اتفاقاً كان قد جرى الوصول إليه ثم خَرَقه النظام. لا مدعاة لمعرفة بنود الاتفاق المُلغى، ولا مضامين المداولات والمفاوضات، فقد تكفّلت، في غضون لعبة العبث المُضجرة هذه، عشرات الصواريخ والقذائف المدفعية ورشقات الرشّاشات الثقيلة، وكذا القصف الذي أدّته مليشياتٌ إيرانية، (في الليل غالباً)، بإخطارنا بالمفيد، وموجزُه أن الحلّ الإسرائيلي هو الأنجح من اللتّ والعجن، وأنجع من الكلام عن اتفاقٍ جرى الوصول إليه قبل ثلاث سنوات، ويلزم دفنُه الآن، وعن اتفاق آخر، تمّ قبل يومين، ثم تُرديه الصواريخ (زنة بعضها 500 رطل) والقذائف إياها. لنُصبح أمام صيحة الأهالي أن يتمّ السماح لهم بالهجرة الجماعية إلى الأردن أو تركيا، ومناشدة الملك عبد الله الثاني التدخل لدى المجتمع الدولي (!) من أجل إنقاذهم من حالهم مخيّرين بين الإبادة أو التهجير. وفي الأثناء، نُصادف في "التايمز" البريطانية لمراسلٍ لها في الشرق الأوسط كلاماً يشبه تعالُم المستشرقين المبتدئين، أن الجاري في درعا امتحانٌ للرئيس الأميركي بايدن، من أجل التدخل في الشرق الأوسط.
كأن النظام يعمل، بهمّةٍ ظاهرةٍ، من أجل عملية تهجيرٍ يريدها من درعا، إلى الشمال. يقول إن "التسوية" التي يهدف إليها تتضمّن خروج "المسلحين والإرهابيين" إلى هناك. كأن الروس والإيرانيين الذين يشيرون عليه ويستخدمونه يدبّرون وضعاً مستجدّاً في جنوب سورية بمحاذاة الأردن، يغاير الترتيبات التي تم التوصّل إليها، بمشاركة أردنية، في عام 2017، ثم في 2018. يتوسّل هؤلاء وأولئك، وبعونٍ من النظام دائماً، الضغط العسكري على السّكان (أو الساكنة بحسب إخواننا المغاربة)، وبالحصار والتجويع، لينفضّوا عن المسلّحين وأسرهم وعائلاتهم. ويطالب النظام بتسلم "مطلوبين" ليخفيهم وراء الشمس تالياً، وتستمر حملته العسكرية، شديدة النيران، بغرض فرض الحقائق في أمرٍ واقعٍ يريده هو بكيفيةٍ تزيد من منعته ومناعته، وهو المُصان من أي تدخّل أميركي، أو من مجتمعٍ دولي لا تراه الأعين ولا المجاهر الميكروسكوبية، فكما استفرد جيش الأسد بإدلب وحلب وحمص ودوما ومضايا و.. في محطّاتٍ غير منسيةٍ في أثناء "الحرب الأبدية" في سورية، كما يسمّيها زميلنا مراسل "التايمز" ذاك، لا شيء يردُعه من الاستفراد بدرعا. ومعلومٌ أن إرادة "الانتقام" من هذه المدينة، بوصفها مهد الثورة، متوطّنةٌ في دواليب مخابراته وأجهزته ومنظومته الأمنية والعسكرية. والماثل قدّامنا أنه لا يرى غير الحلّ الإسرائيلي وسيلةً تُسعفه في إنجاز انتقامه المشتهى.. كما صنع غير مرةٍ في بطاحٍ وحواضر سوريةٍ كثيرة.