النظام المصري ومعركة سيف القدس

النظام المصري ومعركة سيف القدس: التحولات والتفسيرات

28 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

بدأت في العاشر من مايو/ أيار الحالي (2021)، حلقة جديدة من حلقات العدوان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية المحتلة وعلى المواطنين الفلسطينيين، في مناطق عديدة، واستمرّت المواجهات 11 يوماً، حتى تم وقف العدوان في فجر الجمعة 21 مايو/ أيار. وخلال هذه الأيام، سطَّر الفلسطينيون ملحمة وطنية دفاعاً عن أرضهم ومقدساتهم، وفي القلب منها الأقصى الشريف، وأعادوا التأكيد على ثوابت تراجعت في نفوس كثيرين خلال السنوات العشر الماضية، وزاد التراجع مع موجة الحديث عن صفقة القرن، وتوقيع اتفاقيات تطبيع بين الكيان الصهيوني وكل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.

وفي إطار معركة سيف القدس، برز الاهتمام بأحد المحاور الفرعية، بشأن الدور المصري في التعاطي مع العدوان الإسرائيلي على فلسطين عامة وعلى قطاع غزة خاصة، حيث شكَّل الموقف المصري الرسمي مفاجأة كبيرة ليس فقط للفلسطينيين، وإنما أيضا لقطاع كبير من الشعب المصري، وللمؤيدين للقضية الفلسطينية، بصفة عامة، حيث ظهر معاكساً بشكل كبير لموقف النظام نفسه وأجهزته، فقد كان النظام إبان عدوان 2014 على قطاع غزّة أقرب إلى الرؤية الإسرائيلية، وتم استخدام الآلة الإعلامية للنظام لتشويه حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بل والشعب الفلسطيني بشكل عام. وفي إطار رصد مؤشرات الموقف المصري من عدوان 2021، برزت المواقف التالية:

أولا، تصريحات وزير الخارجية المصري سامح شكري في بداية الأزمة، وقبل اندلاع الحرب، في كلمته باجتماع جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، وتساءل فيها عن جدوى السلام بعد كل هذه السنوات؟

كان النظام المصري إبّان عدوان 2014 على قطاع غزّة أقرب إلى الرؤية الإسرائيلية، وتم استخدام الآلة الإعلامية للنظام لتشويه حماس، بل والشعب الفلسطيني بشكل عام

ثانيا، موقف الوفد الأمني المصري الذي انتقل إلى الوساطة بين "حماس" والكيان الصهيوني، والذي طالب بالربط بين وقف الاعتداءات على المسجد الأقصى وحي الشيخ جرّاح، وهجمات المقاومة على إسرائيل، وتهديد مصر إسرائيل بوقف التعاون في بعض الملفات، ومغادرة الوفد المصري احتجاجاً على الموقف الصهيوني من الوساطة.

ثالثا، التغطية الإعلامية الإيجابية لدور المقاومة في الحرب، سيما دور "حماس"، وفتح باب التبرع لفلسطين عبر جهات رسمية، والإعلان عن استقبال الجرحى الفلسطينيين في المستشفيات المصرية، والحديث عن فتح الباب لإرسال أطباء إلى غزّة، بغض النظر عن جدّية التطبيق الفعلي على الأرض وحجمه.

رابعا، خطبة رئيس جامعة الأزهر الأسبق، أحمد عمر هاشم، في الجامع الأزهر، برمزيته الدينية والتاريخية. هاجم فيها إسرائيل بشدة، وطالب الحكامَ العرب، بدعم الفلسطينيين ضد ظلم إسرائيل، وترديده "ما أخذ بالقوة لا يُستردُّ إلا بالقوة"، الشعار الشهير التي توقف النظام في مصر في عهدي حسني مبارك وعبد الفتاح السيسي عن ترديده. بل وصل الأمر إلى دعوة هاشم إلى تشكيل "قوات ردع عربية إسلامية من كل المذاهب"، بما يعني مشاركة الشيعة، والانفتاح على المحور الإيراني، في تلويح بهذه الورقة لكل من السعودية والإمارات.

سطَّر الفلسطينيون ملحمة وطنية دفاعاً عن أرضهم ومقدساتهم، وفي القلب منها الأقصى الشريف

خامسا، إعلان السيسي عن تبرع مصر بـ 500 مليون دولار، لإعمار غزّة على أن تتولى الشركات المصرية تنفيذ هذه المشاريع، وهي بادرة غير مسبوقة.

سادسا، نشر صور لما سُميت قافلة مصرية تتجه نحو قطاع غزة، الجمعة 21 مايو، تتضمن (كما ذكرت وسائل إعلامية) أكثر من 120 شاحنة محملة بمساعداتٍ تشمل مواد غذائية وطبية ومستلزمات للإغاثة العاجلة، بجانب قوافل أخرى في الأيام التالية لوقف العدوان، تحمل صور السيسي، وعبارات "تحيا مصر" و"هدية الرئيس السيسي".

سابعا، زيارة وفد مخابراتي مصري قطاع غزة في اليوم التالي لوقف العدوان الصهيوني، وتحديداً في 21 مايو، ثم زيارة وزير الخارجية المصري، شكري، عمّان.

في إطار هذه المؤشّرات، تعدّدت التفسيرات التي تناولت أسباب التحول في مواقف النظام المصري من عدوان 2021 مقارنة بمواقفه من عدوان 2014، ومن بين هذه التفسيرات:

الأول: ما حدث جزء من عملية إعادة مراجعة واسعة للسياسة الخارجية المصرية، تشارك فيها مؤسسات سيادية وأجهزة أمنية واستخباراتية عديدة، سعياً نحو استعادة الدور المصري في الإقليم، وتعزيزاً للأمن القومي للدولة. الثاني: يرتبط الموقف المصري من عدوان 2021 بمؤشرات التهدئة السياسية بين النظام المصري وكل من الدوحة وأنقرة، وتعدد الاتصالات بداية من نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 وحتى حرب فلسطين 2021، مروراً باتفاق العلا ورفع الحصار عن قطر في يناير/ كانون الثاني 2021، والتوافق المصري التركي في ملف ليبيا، وتبادل الزيارات الأمنية والدبلوماسية بين هذه الأطراف.

 إعادة مراجعة واسعة للسياسة الخارجية المصرية، تشارك فيها مؤسسات سيادية وأجهزة أمنية واستخباراتية عديدة، سعياً نحو استعادة الدور المصري في الإقليم

الثالث: اتجاه بعضهم إلى القول بوجود خلافات بين النظامين المصري والإماراتي في عدة ملفات مشتركة من بينها:

الملف الليبي، وخصوصا بعد وجود نوع من التقارب في الأجندات المصرية ـ التركية، والتقارب المصري مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية، وتراجع الحديث عن الدعم المباشر لخليفة حفتر، الحليف الاستراتيجي للنظام الإماراتي. شعور النظام المصري بنوع من الغضب من موقف أبوظبي الداعم لإثيوبيا في أزمة سد النهضة، ومشاركة الإمارات في التمويل، وتوسعها في الاستثمارات في إثيوبيا. وجود تحفظ مصري على الأنشطة العسكرية الإماراتية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، والتي تفيد إسرائيل وإثيوبيا أكثر من أي طرف آخر. تجاهل الإمارات وإسرائيل مصر في المنتدى الذي أطلقته إسرائيل والإمارات وقبرص واليونان في شرق المتوسط. مشاريع التعاون بين الإمارات وإسرائيل في مجال النقل، والتي تمثل منافساً إن لم يكن بديلاً لقناة السويس، مثل خط أنابيب إيلات عسقلان، والاستثمار الإماراتي في ميناء حيفا، وشراء شركة إماراتية حصةً في أحد حقول الغاز في الأراضي الفلسطينية المحتلة. الحديث عن قلق النظام في مصر من قطار التطبيع الذي تقوده الإمارات، والذي لا يهدد فقط دوره الوظيفي في المنطقة، ودوره وسيطا بين العرب والإسرائيليين؛ بل يهدّد قيادتها المنطقة في ملفاتٍ عديدة.

التفسير الرابع: غضب مصري من تقديم إسرائيل أنظمة صواريخ سبايدر إلى أديس أبابا؛ لحماية سد النهضة، على الرغم من علاقة استراتيجية راسخة بين نظام السيسي والكيان الصهيوني منذ انقلاب 2013 الذي جاء بدعم صهيوني كامل.

التفسير الخامس: رغبة من الحكومة المصرية في تحقيق نوع من التهدئة السياسية الداخلية، والتعبئة خلف النظام من جانب القطاعات المؤيدة تقليدياً للقضية الفلسطينية، مثل التيارات القومية واليسارية والناصرية وذوي التوجهات الإسلامية غير الحركية، في إطار تعزيز الشرعية الداخلية، على حساب قضية قومية جامعة.

التفسير السادس: استغل النظام المصري عدوان 2021، لتوجيه الأنظار بين المواطنين المصريين بعيداً عن أزمة سد النهضة التي وصلت إلى طريق مسدود، مع فشل النظام في إدارتها على المستويات كافة.

التفسير السابع: كل ما تم هو في إطار تنسيق ثلاثي مصري إسرائيلي إماراتي، الغرض منه تحجيم الوجود التركي ـ القطري في قطاع غزّة، وفرض مزيد من التغلغل والتوغل من هذه النظم في القطاع، لإعادة هيكلته والسيطرة على مكوناته وبنيته التحتية بشكل كامل. ويدلل أنصار هذا التيار على وجهة نظرهم بأن المبلغ الكبير الذي أعلن عنه السيسي دعما لعمليات إعادة الإعمار ستتولى الإمارات دفعه، والإشراف على تنفيذ هذه العمليات، والتي ستكون لشركات الجيش المصري الدور الأكبر في التنفيذ.

ختاماً: أياً كانت التفسيرات، وأياً كان أيها أكثر دقة، ومع أنني أميل إلى التفسير السابع والأخير، هناك عدة أمور ينبغي التأكيد عليها في هذا السياق، منها:

أولا، الدور المصري محوري ومركزي، ليس فقط في القضية الفلسطينية، ولكن في كل القضايا العربية أمام الإمكانات والقدرات التي تتمتع بها الدولة المصرية، لكن هذا الدور تم تقزيمه في عهد مبارك، وزادت مؤشّرات التراجع والتقزيم في عهد السيسي أمام رهن الإرادة المصرية لأطراف خارجية داعمة لانقلاب 2013.

استغل النظام عدوان 2021، لتوجيه الأنظار بين المصريين بعيداً عن أزمة سد النهضة التي وصلت إلى طريق مسدود

ثانيا، التحول في مواقف النظام المصري من عدوان 2021 مقارنة بعدوان 2014 تكتيكي، وليس استراتيجيا، لا ينطلق من رؤية استراتيجية داعمة للأمن القومي المصري، ولكن من مصالح آنية للنظام، والتأكيد لكل من إسرائيل والإمارات والولايات المتحدة أنه طرف مهم في الملف الفلسطيني، ولا يمكن تجاوزه، وأنه أي طرف من هذه الأطراف لا يستطيع تحقيق أهدافه بعيداً عن النظام المصري، لذا يجب أن تستمر هذه النظم في دعم استمراره واستقراره.

ثالثا، هذا التحول، ولو كان تكتيكياً، ولو كان مصلحياً نفعياً، ولو كان مرحلياً، فإنه طالما يصب في صالح المقاومة الفلسطينية، يجب العمل على كيفية تعظيم الاستفادة منه، شريطة أخذ كل جوانب الحيطة والحذر في التعاطي مع النظام المصري، ومن يقف خلفه، في أية سياسات أو ممارسات، يمكن أن تؤثر مستقبلياً على مسار المقاومة الفلسطينية.