النزوع نحو الماضي
(نصر ورور)
ثمة من يصرّ على تذكيرنا دوماً، عبر أمثلة وملاحظات ومقالات وبرامج تلفزيونية وإذاعية، أننا كنا ذات يوم "عظماء" فنحن من سمّينا معظم النجوم وتشكيلاتها في السماء، وهناك عددٌ من الكلمات أصلُها عربي، وللحبّ عندنا نحو ستّين مرادفاً، وقد ابتدعنا للسُّحب كذلك تعريفات، إلى آخر هذه السرديات المهمّة التي تُستدعى كلّما اهتزّ الشعور بالقيمة، أو افتُقد الاعتراف بالأهمية. بيد أن هذه العودة المستمرّة إلى الماضي ليست في العمق إلا استجابة لحاجة راهنة لم تُحلّ، أكثر منها فعلاً معرفياً محايداً.
حين لا يُسعفنا الحاضر على تقديم معنى، أو تفسيرٍ كافٍ لما بتنا عليه اليوم، نستدعي الماضي لإنتاج خطابٍ عن الحاضر، ولإعلان موقفٍ هدفه إثبات شرعية ما، الدفاع عن حضور مهدّد، أو التصدّي لعملية محوٍ جارية. فغالباً ما تحضر العودة إلى الماضي وتتكثّف عندما تهتزّ الهُويّة وتفشل في إنتاج نفسها في الحاضر. عندها يُستدعى الأصل ليقوم مقام الإنجاز، ويُستعمل التاريخ لتعويض نقصٍ راهن. هذا التعويض يمنح طمأنينة مؤقّتة، ذلك أن الهُويّة التي لا تتجدّد تتحول أرشيفاً، والأرشيف لا يعيش. في هذا السياق، يصبح الماضي ساحة صراعٍ رمزي، واستدعاؤه فعلَ مقاومة يفقد معناه إذ يتوقّف عند حدود التذكير، من دون أن يأتي فعلاً ينتج حاضراً مختلفاً.
في أزمنة الانكسار، يبدو الماضي أكثر تماسُكاً من الحاضر؛ إنه مكتمل، ومن الممكن الإمساك به سردياً، على عكس الحاضر المتحوّل، المفتوح على القلق والاحتمال. من هنا خطورة تحويله ملجأً دائماً، فضاء هروب، زمناً يُشعِر بالقيمة والأمان، ووسيلة لتفادي الأسئلة وإغلاقها، أو لإسباغ قدسية ما على ما فات. هي عودة تُعطّل الزمن بدل أن تفتحه، وأداة تخدير تجعل الهُويّة مكتفية بذاتها، تستبدل بالفعل التذكّر وبالمقدرة الحنين.
هكذا يتحوّل الماضي عبئاً أخلاقياً يطالبنا بالولاء، بدل أن يدفعنا إلى تحمّل مسؤولياتنا. إن قيمة الجماعات لا تقاس بعمق جذورها أو عظمة ماضيها، وإنما بمقدرتها على النموّ، على التحوّل، وعلى إنتاج معنى جديدٍ في شروط متغيّرة، لذا فإن التعلّق المرضيّ بالماضي، والنزوع إلى الإقامة فيه، يعنيان مجرّد التفاف دائري حول جرح لم يُعالَج، في حين أن الخروج من المأزق يتطلّب البقاء في الحاضر من دون خوف، مع التخلّي عن وهم اكتمال الماضي وأفضليته، ذلك أن اكتماله هذا لا يتعدّى أن يكون سردياً.
في المقابل، يتبدّى الحاضر ناقصاً، قيد التكوّن، تُعرّضه مقارنته بزمنٍ مُغلق للظلم، إذ يُطالَب بما لا يستطيع تقديمه. أمّا الماضي فيُختزل إلى صورة مصقولة، خضعت لتعديلات محت تناقضاتها وصراعاتها وإخفاقاتها. نعم، إن الماضي الذي يُنبش من دون أن يتعرّض للتحليل والنقد يتحوّل أسطورة تُنتج انتماءً أعمى، لا وعياً، وتُستخدم أداة للضبط والإقصاء: من يملك الشرعية ومن يُجرّد منها! منتقلاً بذلك من أنه سؤال معرفي إلى سلاح رمزي.
لا يحتاج الحضور الواثق إلى تبرير وجوده عبر السلالة، بل من خلال الأثر. وحين لا يُنتج الحاضر لغةً وفكراً وفنّاً وموقفاً أخلاقياً، يتقدّم الماضي ليملأ هذا الفراغ. فهل ينبغي التذكير بأنه لا ينبغي التعامل مع الماضي بوصفه مرجعاً أعلى، بل مختبراً لاستخراج الأسئلة التي لم تُطرح، والأخطاء التي تتكرّر؟
ختاماً، ينبغي القول إن أخطر ما يمكن أن يفعله الماضي بنا هو منحنا شعوراً زائفاً بالنجاة. فاستدعاء الماضي، أو بالأحرى الركون الدائم إليه، لن يكون مبرَّراً أو مفيداً إلا عندما يضعنا في مواجهة نقصنا، يدفعنا إلى العمل بدل الاكتفاء بالسرد، ويذكّرنا بأن ما كان، مهما بلغ وعلا شأنه، لم يكن نهاية التاريخ، بل إحدى محطّاته. أما الإقامة الدائمة في الماضي فليست وفاءً، بل جموداً. والجمود في زمنٍ يتحرّك شكلٌ من أشكال التلاشي.