المُتحف المصري الكبير... رؤية أخرى

03 نوفمبر 2025

من حفل افتتاح المتحف المصري الكبير في القاهرة (1/11/2025 الأناضول)

+ الخط -

افتتاح المُتحف المصري الكبير حدثٌ تاريخي عند المصريين، وبخاصة أولئك المهجوسين بتعظيم (وتضخيم) تاريخ مصر ومكانتها وريادتها. وبعيداً من الشوفينية الطاغية على أجواء تدشين المُتحف، أُعدّت الطقوس الاحتفالية والمراسم المصاحبة لافتتاح المُتحف بدقّةٍ، ونفّذتْ بإتقان مُبهر. إنْ على مستوى فقرات الافتتاح، بما تضمّنته من إمتاع تقني وإبداع فنّي، أو على مستوى الترتيبات اللوجستية في منطقة الحدث الضخم ومحيطها. إنها خطوة عظيمة بالفعل نحو إبراز تاريخ مصر القديمة وتوثيق حضارتها، وهي حضارة متفرّدة. ولكن، ثمّة زاوية أخرى لقراءة الحدث، وهي تقييمه بمعيار الاتساق والاستمرارية، مقابل الاستثناء والانقطاع. فالإبداع (والتألّق) الذي اتسمت به مظاهر الحدث نتاج أصيل لمهارات وقدرات موجودة لدى المصريين الذين شاركوا في الحدث بمختلف تخصّصاتهم، بدءاً من التخطيط للمُتحف مروراً بمراحل تنفيذه وانتهاءً بافتتاحه في احتفالية عالمية رائعة بكل معنى الكلمة، إذ نجح منظّموها في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، ودمج التقنيات الحديثة بالمواهب الأصيلة ذات العَبق المصري العريق.
ولكن تلك القدرات المُبهِرة التي تمتلكها مصر ليست دائمةً ولا تظهر باستمرار، وإنما تتجلّى في الأحداث الكبرى فقط، وتتجسّد حصرياً في الأوقات الاستثنائية، سواء في سياق أزمة (حرب أكتوبر مثالاً) أو كارثة طبيعية (زلزال 1992)، أو في سياق احتفالي وحدث سعيد. ولأن "الاستثناء يؤكّد القاعدة"، فإن الوصول إلى قمّة التمكّن والإتقان في القيام بخطوة تاريخية مهمة، هي تأسيس متحف عالمي للحضارة والآثار المصرية، لا يعني بالمرّة أن المصريين قادرون على فعل كل شيء دائماً، أو أن المستحيل في متناول أيديهم في أي وقت من دون عناء.
قبل يومين من افتتاح المُتحف، كانت المنطقة المحيطة به تخضع لعمليات تجميل وتشجير وتجديد للطرقات، رغم أن هذا يستغرق شهوراً بالوتيرة الطبيعية في مصر. ومع أولى ساعات يوم الافتتاح (السبت الماضي)، سألت بعض رجال الشرطة المنتشرين قرب المُتحف عن ترتيبات المرور وإمكانية التحرّك في نطاقه، قبل الافتتاح وبعده، فأجابوني بأنه ليس لديهم أيُّ تعليمات، ولا يعلمون شيئاً عن الترتيبات. تعجّبت في نفسي من تغييب (أو على الأقلّ تأخير) معلومات مهمّة وحيوية كهذه قبل ساعات من مراسم الافتتاح، وتذكّرت مشاهدتي غرس النباتات ودهان الأرصفة في اليوم السابق مباشرةً، فانتبهتُ إلى أننا في مصر دائماً نعمل في اللحظة الأخيرة. صحيحٌ أن العمل في النهاية يخرج أحياناً كثيرة على نحوٍ مثالي وكما ينبغي، لكنّه يظلّ عملاً استثنائياً يستلزم موارد مضاعفة ويستنزف جهوداً غير عادية، ما ينعكس سلباً على اليوم التالي، ويحدّ من فرص تحقيق التقدّم والبناء فوق ما أُنجز في الوقت الاستثنائي.
التمادي في الزهو بالإنجاز، والتباهي به على نحو مبالغ فيه، هو إقرار ضمني باستثنائيّته. فالفخر لا يكون بالمعتاد، وحين يكون منبع الفخر استمداد حضارة الأجداد واستدعاء إنجازاتهم رغم انقطاعها عنّا، فالخلل هنا يكون مركّباً؛ فتغيب ثقافة العمل سلوكاً طبيعياً، وتنتفي تلقائية أداء الواجب مسألةً بدهيةً، فيسود الهروب من الواقع السيّئ إلى الالتصاق بالماضي السحيق والتمسّح بتاريخ الأجداد.
حريٌّ بكل إنسان يحترم التاريخ ويدرك أهمية المعرفة وقيمة الحضارة، أن يَسعد بتدشين المُتحف المصري الكبير، والمصريون أجدر بذلك فخراً واعتزازاً. لكن حريٌّ بهم، وبخاصة القائمين على الأمر منهم، أن يعملوا بصدق وإخلاص، ليس لبناء منشآت عظيمة أو شقّ طرق ممتدّة وحسب، وإنما ايضاً لإحياء ثقافة العمل وإتقانه وترسيخها في المجتمع. هذا ما أدركته الشعوب المتقدّمة وآمنت به، فحقّقت إنجازات حاضرة تضاهي وتفوق ما أنجزه المصريون القدامى في الماضي.

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.