الموظّف الصغير
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية
(فان غوخ)
كنت في مقهى الوزارة حين تسلّل إلى أذني حوار بين موظّفَين، أحدهما غائب ولا يحضر إلّا صوته من خلال ثقوب الهاتف الذي كان في حالة "سبيكر". كان الحاضر يطلب من الغائب، الذي يبدو أنّه مسؤول إداري، أن يلتحق به في المقهى. وكانت اللحظة ستمرّ بسلام لولا أنّه علّق: "هذا مقهى للموظّفين الصغار، لا يمكنني المجيء". ثم انقطع الصوت، أو هذا ما ظننته، إذ إنّ رفيقه تدارك الأمر وحوّل هاتفه سريعاً من حالة "سبيكر" إلى الحالة العادية. تنزّهت عيناي في ربوع المقهى، مقهى في غاية الأناقة والنظافة، مع نُدُل أيضاً في غاية اللطف، والزملاء الجالسون أمام طاولات متفرّقة كانوا من مختلف الأعمار، ومن مختلف المناصب. ينهون وقت استراحتهم ليعودوا سريعاً إلى أعمالهم.
تساءلت في دخيلتي: أين هم صغار الموظّفين؟ وماذا يقصد هذا المسؤول الخفيّ بكلمة صغار؟ هل وظائفهم صغيرة مثلاً؟ لا أظنّه يقصد الأعمار والمُدَد التي قضوها في العمل بالوزارة، فهذا أيضاً يتفاوت. هذه اللحظة يمكنها أيضاً أن تستدعي أمراً مهمّاً، وهو أنّ هذا المسؤول تعامل مع الأمر وكأنّه مالك شركة، وليس موظّفاً ضمن آخرين بمختلف رتبهم ومناصبهم، وفي النهاية يتسلّمون مرتّباتهم من الدولة، أي من المصدر نفسه الذي يتسلّم منه البقية مرتّباتهم. لا فرق إذن بينه وبين من يظّنهم صغاراً ممَّن يجلسون في مقهى الظهيرة.
وهناك أمر آخر لا يقلّ إلحاحاً، أنّه لا يوجد في الثقافة العُمانية المألوفة مثل هذا التمايز والتباهي الفجّ بالمناصب، إذ يلتقي الناس على اختلاف فئاتهم في السوق نفسه، والمسجد نفسه، والمستشفى نفسه، وتتزاحم سيّاراتهم في الشارع نفسه، وعلى الجميع أن يقفوا عند الإشارة الحمراء وينطلقوا فور اخضرارها.
وجدتني كذلك أتساءل، إذ إن السؤال، كما تعلّمنا من الفيلسوف رينيه ديكارت، من المفيد أن يبدأ بالذات، ولكن هذه المرّة سيكون من ذات الآخر، أي من ذات ذلك المسؤول الخفي. حاولت أن أتقمّصه: رجل يجلس في مكتبه، الذي يشبه أغلب المكاتب في الوزارة، بهاتف شبيه وطاولة شبيهة بطاولات الآخرين، ولكنّه يشعر في دخيلته بأنّه الكبير في وسط الصغار. تقمّصت هذا الدور للحظة، ولكنّني شعرت بالخوف والفراغ.
فماذا ستكون قيمتي من دون الجلوس مع الآخرين، حتّى إن كنت منعزلاً على طاولة وحدي، كما يحدث معي غالباً، وأيضاً كما يحدث مع كثيرين؟ فمتعة أن ترى الناس بعد وقت طويل من الجلوس في المكتب الإداري هي متعة لا تضاهيها متعة، بغضّ النظر عمّا إذا كنتُ دخلتُ مع أحد منهم في حديث أم اكتفيتُ بالفرجة وتنزيه بصري وأذنيّ، على الرغم من أنّ المحادثات العابرة قد تحدث، بدءاً بالسلام وليس انتهاء بالدردشة السريعة المتفرّقة، وخاصّة مع زملاء قدامى يأتون للسلام وإنعاش الذكرى، وبعضهم يستأذن للجلوس من أجل الفضفضة، وتسقّط آخر الأخبار التي تبدأ من الوزارة وتنتهي إلى أنواع التمور، وشؤون الطقس، والرحلات الصيفية، وخاصّةً إلى خريف ظفار حين تكبر العائلة.
ولكن، لماذا ذهبتُ في الظنّ بعيداً وأسهبتُ في التخيّل؟ ألا يمكن أن يكون الأمر كلّه يتعلّق بمزحة؟ فلا أظنّ أنّ هذا الشخص من "كبار الموظّفين"، فالكبار أذكى من أن يتكلّموا بهذه الطريقة الفجّة الاستعلائية. إنّه يحلم بأن يصبح موظّفاً كبيراً، وأن يمارس حينئذٍ فوقيته على من يعتبرهم "صغار الموظّفين". مع تساؤل: هل هناك حواجز بيروقراطية بين الموظّفين، وتصنيفات لهم تجعلهم في عزلة تامّة بعضهم عن بعض؟
الجواب أنّ المقهى أفضل مكان لالتقاء الموظّفين، خاصّة أنّهم لا يمكثون فيه سوى دقائق استراحة عابرة، قبل أن يعود كلٌّ منهم إلى عمله ويعتكف عليه، ولكنّها دقائق مهمّة ومكثّفة واجتماعية بامتياز (ولِمَ لا؟) ضرورية لكسر الرتابة والروتين. كما أنّ الموظّف القيادي يستغلّ الفرص للاختلاط بالموظّفين وسماع ملاحظاتهم بصورة عفوية، والإفادة منها لتطوير العمل، أو لسدّ الثغرات، أو لحلّ المشكلات داخل جدران الوظيفة أو خارجها. هذا الشخص، إن وُجد، نموذج الموظّف الذي يضع حاجزاً بين المواطن ومؤسّسات الدولة، وقد يثير المشكلات ويتسبّب فيها، بدلاً من الحرص على معالجتها.
لم أستطع أن أمكث طويلاً في ذات ذلك المسؤول. اختنقت وهربت، وأيضاً شعرت بأنّني موظّف صغير.
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية