الموسيقى ودروس التربية الدينية وصدمات الهوية السورية
(صفوان داحول)
نشأت ابنتي (السورية) في بيئة أوروبية تعدّدية منذ ولادتها وحتى سنوات طفولتها الأولى. كانت مدرستها فضاءً مفتوحاً يجتمع فيه المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي وغيرهم، من دون أن يُطرح سؤال الاختلاف عائقاً أو سبباً للتمييز. بالنسبة لها، كان المسجد والكنيسة والمعبد أماكن متساوية للعبادة، جميعها محطات تلتقي فيها الروح بالله. لم تعرف التمييز الديني أو العرقي أو اللوني، إذ لم يكن حاضراً في محيطها ولا في المدرسة.
كان الدين بالنسبة لنا مسؤولية أسرية، اعتمدتُ فيها على غرس القيم الأخلاقية وأساسيات التعامل الإنساني مع الناس. عرّفتها بالله بوصفه الحاضر في كل مكان، والمجيب لصلواتها، وكانت ترقصُ فرحاً حين أؤكد لها أن الله يسمعها.
عندما عدنا من أوروبا تعرّضت لصدمة نفسية لا تتناسب وعمرها الصغير. عادت يوماً تبكي من المدرسة بعد أن قيل لها: "الله سيحرقك في النار إذا أخطأت". لم تستوعب تلك اللغة الترهيبية، فاتّخذت موقفاً دفاعياً من فكرة الله نفسها، وأصبحت ترتعد خوفاً وتبكي حين يُذكر اسمه سبحانه وتعالى، وبدأت تعاني من كوابيس متكرّرة. في مرّة أخرى، أخبرها أحد التلاميذ: "أنت مسلمة وأبوك قد يتزوج أربع نساء". عادت مذعورة تسألني إن كان والدها سيتركنا ويذهب إلى عائلة أخرى لأنه مسلم. بلغت بها الصدمة أن أنكرت هويتها الدينية أمام إدارة المدرسة الجديدة التي نقلتها لها، قائلة: "أنا لست مسلمة ولن أحضر درس الدين". هذه التجارب المبكّرة تمثل، وفق علم النفس التربوي، ما تُسمّى "الصدمات القيمية" التي تؤثر عميقاً في تكوين الهوية والوجدان.
قد يصبح درس الدين أداة بيد السلطة لإنتاج "مواطن" على مقاس سياسي محدّد، أكثر منه مسعى إلى تربية روحية صافية
ليس التعليم الديني للأطفال، خصوصاً في المراحل المبكرة، شأناً مدرسياً إلاّ بشروط موضوعية، فالمعلم غير المؤهل قد يُسقِط في الغالب تربيته وفهمه الخاص للدين، بما يحمله من عقد وتفسيرات شخصية على الطفل. وفي مجتمعاتنا، يصبح درس الدين أداة بيد السلطة لإنتاج "مواطن" على مقاس سياسي محدّد، أكثر منه مسعى إلى تربية روحية صافية.
يضاف إلى ذلك أن مدرّس الدين في مجتمعاتنا غالباً لا يُختار ولا يُؤهل بطريقة علمية دقيقة. كثيراً ما يُكلَّف بالمهمّة من دون مراعاة أسس تكوينه التربوي أو المعرفي في علم نفس الطفل والأسس العلمية لبناء إنسان متوازن دينياً واجتماعياً. وهنا الخطورة: الطالب في سنّ مبكّرة يتعامل مع معلمه بوصفه "سلطة مطلقة"، ويمتصّ شخصيته وسلوكه كما تمتصّ الإسفنجة الماء. أي خلل في شخصية المعلم، تشدّداً أو أفكاراً متطرّفة أو عقداً شخصية ينعكس مباشرة في عقل الطفل أنه الدين نفسه، وهذا ما يجعل التعليم الديني في هذه المرحلة حسّاساً للغاية، لأنه لا ينقل نصوصاً مجرّدة، بل يزرع نموذجاً حياً من الفهم والسلوك.
من هنا، لا يفقد الدين تحييد الدولة عن الدين، وحصره على مساحة تعليمية محدّدة، وترك مسؤوليته للأسرة، لا يُفقد الدين مكانته، بل يحمي روحه، فكما يذهب الفيلسوف الألماني كانط إلى أن "الأخلاق هي جوهر الدين"، فإن التعليم المبكّر يجب أن يركز على القيم الكونية: الصدق، العدل، الرحمة، واحترام الآخر. أما إدخال مفاهيم النار والعقاب والخوف والتمييز إلى وعي الطفل في مرحلة التأسيس فهو، في علم النفس التربوي، "تلقين صادم" يُضعف علاقة الطفل بالله ومحيطه المختلف ويحولها من حبّ إلى رعبٍ وصدام، ويؤثر في تكوينه ومناعته ضد متغيرات الحياة.
ما تحتاجه سورية الآن إعادة تكوين وصياغة حقيقية لجوهر التعليم الديني وغايته
وقد استُخدمت الأديان في مراحل عدة من التاريخ أداة سياسية، وغلافاً للتعبئة والتحشيد، فالتجارب التاريخية تكشف أن التعليم الديني المسيس يُنشئ أجيالاً مجندة لمشاريع سياسية، لا أجيالاً حرّة متصالحة مع نفسها ومع الآخر. وقد قال النبي محمد (ص): "إنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق". يضع هذا الحديث معياراً واضحاً: قيمة الدين تقاس بقدر ما يُترجم إلى أخلاق وعدل وإنصاف، لا بكثرة العبادات أو مظاهر التدين. لذلك، يجب أن يُختصر التعليم الديني للأطفال في المدارس على قصص الخير والرحمة المبسطة، وحفظ بعض الآيات التي تزرع المحبّة والأمل، مع إشراف خبراء في علم نفس الطفل والتربية.
لا يحتاج بلد مثل سورية خارج من حرب طويلة وتحوّلات حرفت المسار ولعبت على تعزيز الشروخ الاجتماعية والطائفية نرى آثارها وتداعياتها كل يوم، زيادة عدد دروس الدين في المدرسة لتحصّن المجتمع من المخاطر الكثيرة، وتقليلها ليس كارثياً كما كتب الشيخ عبدالله المحيسني في منشور على "إكس"، معترضاً على ما وصل إلى مسامعه عن زيادة دروس الموسيقى للطلاب على حساب دروس الدين ووصف الأمر بالكارثي.
في مجتمع متنوّع، كالمجتمع السوري، حيث تتعايش مكونات دينية وطائفية متعدّدة، تُظهر التجارب الدولية أن جوهر الإصلاح التربوي لا يكمن في زيادة ساعات تدريس الدين أو تقليصها، بل في إعادة تعريف وظيفة هذه المادّة، بحيث تكون بعيدة عن التلقين، ومنفصلة عن التقييم الأكاديمي النهائي، فلا تُستخدم ورقة ضغط أو مادة "مرسِّبة"، بل مساحة معرفية لتعريف الطلاب بالقيم الأخلاقية المشتركة والأديان في بعديها الثقافي والحضاري. إدراج هذه المقاربة، مع التركيز على مناهج المواطنة وحقوق الإنسان والتربية المدنية، يمكن أن يحوّل التنوع السوري من مصدر انقسامٍ إلى رافعة لبناء دولة مواطنة أكثر عدلاً وتماسكاً.
يجب أن يُبنى التعليم الديني في المرحلة الابتدائية على أسس علمية وروحية متوازنة، تحمي الطفل من الصدمات القيمية والتلقين السياسي
ما تحتاجه سورية الآن إعادة تكوين وصياغة حقيقية لجوهر التعليم الديني وغايته. زمن التعبئة والتحشيد الديني السياسي بكل ما حمله من أساليب التحفيز يجب أن ينتهي في سورية، وذلك لن يحدُث إلا بفرض القانون حالياً وللمستقبل من خلال الجيل الجديد الصغير، بتدعيمه سلوكياً ونفسياً ودينياً، بما يؤسّس لإنتاج بيئة اجتماعية متوازنة مع حجم التنوّع الديني والثقافي والفكري في سورية.
الموسيقى غذاء الروح كما يصفها الفلاسفة وغيرها من الفنون التي يحرّمها و ينبذها كلٌّ على هواه، هي من أرقى أدوات تنمية الحس الجمالي والنفسي لدى الأطفال. تضييقها لصالح المزيد من "التلقين الديني" لا يبني إنساناً أكثر إيمانا، بل يسرق من الطفل فرصة الفرح والتوازن النفسي وتوسيع المدارك.
يجب أن يُبنى التعليم الديني في المرحلة الابتدائية على أسس علمية وروحية متوازنة، تحمي الطفل من الصدمات القيمية والتلقين السياسي، وتمنحه صورة متوازنة عن الله والدين، تحصّنه وتحصّن الوطن من العبث باستقراره بكل أشكاله، بمناهج تُؤسَّس بخيوط دقيقة ينسجها خبراء في التربية وعلم النفس، بعيداً عن نزعات التسيس والأجندات، فبقدر ما نزرع الأخلاق والعدل في نفوس الأطفال، بقدر ما نؤسّس لمجتمع متصالح، منتج، وقادر على تقبل الاختلاف الموجود ومحصّن ضد الاختراقات.