المهرجان: أغنية أم نظام حكم؟

المهرجان: أغنية أم نظام حكم؟

03 ديسمبر 2021
الصورة

(أيمن صلاح طاهر)

+ الخط -

مجددًا، تندلع صيحات حماية الشرف الوطني الرفيع من الأذى، بعد إقدام مطرب مهرجانات على التلاعب في نصّ أغنيته لتلائم المسرح السعودي، فتنقلب عبارة "خمور وحشيش" إلى "تمور وحليب".

بصرف النظر عن أن انتعاش ما تسمّى "أغنية المهرجانات" حدث وسط حفاوة ورعاية كاملتين من السلطة الحاكمة في مصر، بما تحتوي عليه هذه الأغنية من شحناتٍ هائلة من ملوّثات الذوق ومدمرات الوعي .. وبعيدًا عن أن هذا الغناء الذي يتحوّر ويبدّل من محتواه وشكله تبعًا للمنطقة التي يُقدم فيها كان، حتى وقت قريب، يلقى دعمًا إعلاميًا ورسميًا، إلى درجة الاستثمار فيه داخل أندية القوات المسلحة الاجتماعية والترفيهية .. بعيدًا عن ذلك كله، فإن ردود الفعل على واقعة "الخمور التي تحوّلت إلى تمور" في العاصمة السعودية هي، بحد ذاتها، مهرجان أكثر صخبًا وإسفافًا من المهرجان المغنى ذاته.

هنا، يتم استدعاء كل التعريفات الهابطة لكرامة الوطن، وجميع حرّاس معبد الوطنية المقزّزة، وإعلان الحرب على المغنّي الذي برّر تبديل كلماته لتتماشى مع طهارة الأرض التي يغني ويرقص فوقها، وهو بالفعل تبرير منحط لموقف رخيص، لكنه، على أي حال، ليس أسوأ في دلالاته من مواقف مماثلة أدت فيها السلطة الحاكمة المهرجان ذاته في السياسة، ومواقف أخرى بانت فيها النخب التي تمرح في الحديقة الخلفية لهذه السلطة أكثر فجاجةً في أداء المونولوغ السياسي والتاريخي.

لم يفعل المطرب أكثر مما فعلته السيدة هدى جمال عبد الناصر، حين خرجت على جمهورها بوثيقة تزعم إن جزيرتي تيران وصنافير سعوديتان، وذلك في ذروة الغضب الشعبي من إقدام السلطة الحاكمة، في ذلك الوقت من العام 2016، على التفريط في الجزيرتين والتنازل عنهما لمصلحة ولي عهد السعودية. برّرت هدى عبد الناصر تبنّيها رواية أن الجزيرتين سعوديتان بعثورها على وثيقة في مكتب والدها الراحل، عرضتها على صفحة كاملة في صحيفة الأهرام تحت عنوان "لنكن حقانيين .. تيران وصنافير سعوديتان".

نص هذه الوثيقة، وكما نشرته هدى عبد الناصر،  لم يجزم بسعودية الجزيرتين، إذ تقول بالحرف الواحد، وهي تستعرض احتلال القوات المصرية الجزيرتين، بالتوافق مع السعودية،  لمواجهة العدوان الصهيوني، ما يلي:

"وقد اتخذت مصر هذا الإجراء لمجرّد تعزيز حقها، وكذلك أي حق محتمل للملكة العربية السعودية فيما يتعلق بالجزيرتين، التي يتحدد مركزهما الجغرافي على بعد 3 أميال بحرية على الأقل من الشاطئ المصري في سيناء، أربع أميال تقريبًا من الجانب المواجه للسعودية، وقد تم ذلك لقطع خط الرجعة على أي محاولة للاعتداء على حقوق مصر".

إذن، تتحدث الوثيقة عن حق مصري مقطوع به في الجزيرتين، مقابل"أي حق محتمل" للسعودية، ومع ذلك قطعت ابنة عبد الناصر بسعودية الجزيرتين، طالبًة في النهاية من الملك سلمان الثمن، حيث كتبت بالنص: "أعتقد أن الشعب المصرى فى حاجة الى إيماءة معنوية من جانب الملك سلمان؛ لقاء الدماء التى بذلت من جانب المصريين فى سبيل المحافظة على هذه الأرض العربية، وإلا لكان الإسرائيليون احتلوها وصمموا على الاحتفاظ بها، كما يحدث الآن بالنسبة للجولان السورية".

أليس ذلك تبديلًا وتحويرًا في تاريخ الوطن، من خلال "مهرجان سياسي" لا يقل مجونًا عن "المهرجان الغنائي" الذي بدّل وحوّر في كلماته لكي يلقى قبول الرياض ورضاها؟.

ما قدّمه ما يسمّى البرلمان المصري من أداء مبتذل، لكي يمرّر اتفاقية التنازل عن الجزيرتين التي أبطلتها أحكام مجلس الدولة، ونسفتها الوثائق التاريخية المحترمة، هل يقلّ أو يزيد عما فعله مطرب الخمور والحشيش والتمور والحليب؟. ما فعلته السلطة التي تدير وتتحكم في كل هؤلاء، هل يختلف في العبث بحدود الهوية والحضارة والجغرافيا والتاريخ، عن العبث بكلمات أغنية ركيكة؟. الشاهد أننا بصدد تراجيديا حضارية شاملة تنحدر بمفاهيم الوطن والوطنية إلى ما دون مستوى غناء المهرجانات.