المهرجانات الخرساء

28 ديسمبر 2025

شعار مهرجان قرطاج السينمائي الدولي في حفل الافتتاح في العاصمة تونس (13/12/2025 فرانس برس)

+ الخط -

اختتمت أيّام قرطاج السينمائيّة دورتها السادسة والثلاثين في 20 ديسمبر/كانون الأوّل الجاري، كما تُختتم سهرةٌ طويلة أُطفئت فيها الأنوار قبل أن نرتوي منها. جمعت حقائبها على عجل، ودسّت الأفلام في جيوبها، ومسحت عن مقاعد القاعات آثار أجسادٍ صدّقت، لبرهة، أنّ الصورة يمكن أن تُنقذ العالم، وأنّ المتعة تُنتج المعنى وتحرّك العقل وتنشّط الخيال، وأنّ السينما الحقيقيّة لا تعتذر عن فقرها ولا تتبجّح بأموالها. وإذا نحن ننظر حولنا فنكتشف أنّ "الأيّام" انقضت، أمّا الجوع إلى الحكايات فلم ينتهِ. كأنّ أيّام قرطاج السينمائيّة لم تذهب فعلاً، بل انسحبت خطوةً إلى الهامش، تاركةً لنا هذا العطش الجميل، وهذا الفراغ الذي يذكّرنا بأنّ السينما، مثل الحرّيّة، لا تزورنا غِبّاً إلّا كي تُذكّرنا بغيابها.
أسّس السينمائي التونسي الطاهر شريعة هذه "الأيّام" عام 1966، فانضمّت بذلك إلى شجرة التظاهرات السينمائيّة الكبرى: "موسترا البندقية" (1932)، و"كان" الفرنسي (1939)، و"برلين" الألماني (1960). وليس من حقّ مهرجانٍ تجاوز الستّين من العمر أن يفقد زخمه لدى المبدعين والجمهور، وأن تتكدّر رؤيته بهذا الشكل، وأن يرتكب هفوات بروتوكوليّة وفنيّة لا تُغتفر حتى لتظاهرات الهواة المبتدئين، وأن يفقد مذاق الحرّيّة الذي ميّزه على امتداد الدورات، فتدور فعالياته في شبه "خَرَس" بارد حوّل لهفة جمهوره إلى برودة.
استُنسخت من "أيّام قرطاج" عشراتُ التظاهرات: بعضُها ترهّل، وبعضُها تخلّى عن "روحه"، وبعضُها سمحت له "الأموال" بالتوغّل في اتجاه "الفيترينة"، وبعضُها حقّق نسبة محترمة من التفرّد والنجاح. ومع ذلك لم نكفّ عن تعريفها جميعاً باسم "مهرجانات"، كما لم نكفّ عن إطلاق اسم "تلفون" على أجهزة تغيّر شكلها ومضمونها جذريّاً، ولم تعد تُستعمل أساساً للغرض الذي منحها تلك التسمية. تسميةٌ مثقلةٌ بهيبةٍ قديمة، تشي أحياناً برائحة النفثالين، كأنّها معالم تاريخيّة جرى نقلها تحت وابل من الفلاشات، تُحيّيها جماهير لا تعرف إن كانت تصفّق لاحتفالٍ حيّ أم لإعادة تمثيل طقسٍ محفوظ.
ليست المسألة مجرّد أنّ هذه التظاهرات قد شاخت؛ فذلك توصيف متسامح أكثر ممّا ينبغي. المشكلة الحقيقيّة أنّها شاخت في العلن من دون أن تعترف يوماً بعمرها، وأنّها لا تكفّ عن "التبرّج" كأنها في العشرين، بينما ترفض تغيير نظام تشغيلها. تحوّل "كان" إلى قدّاس دنيوي يُحتفى فيه بانعكاسه في واجهات الفخامة أكثر مما يُحتفى بالسينما ذاتها. السينما هناك مجرّد ذريعة لإحياء أرستقراطيّة ثقافيّة تدّعي التمرّد، لكنّها تعيش على أجهزة الإنعاش التي توفّرها العلامات التجاريّة. بينما جرّبت "هوليوود" إحدى أكثر عمليات تجديد الشباب إثارةً للشفقة: أن تصبح إنسانيّة شاملة عبر خُطبٍ وسيناريوهات يكتبها مستشارون في التعاطف، بلباقة فيلٍ يقود درّاجة. والنتيجة: حفلات طويلة وعظيّة لا تخلو من لحظات إبداع استثنائيّة، إلّا أنّ الغلبة فيها لعاطفة مصطنعة، مستعارة؛ التسلية بالنسبة إليها قتل للوقت بما هو قتل للمعنى، فيما تعود السينما، مرّةً أخرى، إلى التحديق في الساعة.
حاولت أيّام قرطاج السينمائيّة أن تبني فضاءً لسينما الجنوب، بين النموذجين الأوروبي والهوليوودي، وأن توفّر متنفّساً سياسياً وإيماءة ثقافيّة تعبّر عن أفريقيا والعالم العربي. إلّا أنّها باتت تتأرجح اليوم بين نوستالجيا بطوليّة وإغراءات العصر: بدافع واجب الذاكرة أحياناً، وبفعل آليّة إداريّة أحياناً أخرى، وبسبب حبّ صادق للسينما في معظم الأحيان؛ لكنّه أشبه بالحبّ الأعمى الذي لا يعرف من يخاطب وكيف. والحقّ أنّ تقدّم هذه المهرجانات في السنّ، وتعثّرها في الحرّيّة وفقر الخيال، إضافةً إلى مواصلة العمل ببرمجيّات بالية، جعل المنظومة لا تتورّع عن الإشادة بالجرأة ومكافأة الحيطة: امتداح المعنى وتكريم البريق، الاحتفاء بالجديد ووضعه تحت السيطرة.
ليست المهرجانات "منصّة"؛ إنّها "مفترق طرق" يتيح الانتقال (بالاحتفال) من فكرة "العيش معاً" التي تجعل منّا مجرّد متساكنين، إلى فكرة "العمل معاً" التي تجعل منّا مواطنين بُناةً ومبدعين. وفي غياب ذلك، تبقى هذه التظاهرات مسرحاً لعبارة ثقافيّة جوفاء: مهرجانات خرساء مكتومة الصوت. ولا فرق بين أن تُكمَّم بوفرة المال أو بقلّة المال، ولا فرق إن كانت الكمّامة من "ترغيب" أو من "ترهيب". كلّها ضجّة خرساء، تتولّى عنها القول لجان التنظيم و"إكراهاته" أو مصادر التمويل و"إغراءاته". وهو قول "بهرجاني" لا ينطق بأيّ معنى جميل، ولا يفصح عن أيّ جمال ذي معنى.

شاعر تونسي ومترجم من الفرنسية.
آدم فتحي
شاعر تونسي ... وشاعر غنائي ومترجم من الفرنسية.