المنصف المرزوقي .. ضمير الربيع العربي

المنصف المرزوقي .. ضمير الربيع العربي

20 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

ولد الربيع العربي بدون زعامات حقيقية، قاده الشباب، وغذّته طموحات الشعوب المتعطّشة إلى الحرية والكرامة. لكن لو بحثنا اليوم، بعد مرور أكثر من عشر سنوات على انتفاضات الشعوب، في أكثر من دولة عربية، عمّن يجسد، أكثر من غيره، ضمير هذا الربيع، سيقفز إلى الأذهان اسم المنصف المرزوقي، أول رئيس عربي يتولّى السلطة بعد انتصار أول ثورة شعبية عربية حقيقية، هي التي شهدتها تونس عام 2011. في عزّ عنفوان الثورة التونسية، أياما قليلة بعد هروب زين العابدين بن علي، وفي وقتٍ كانت فيه البلاد في حالة فوضى يهيمن عليها خوفٌ جماعيٌّ من انهيار الدولة، وكان الثوار ما يزالون تائهين يقودون مسيراتهم الغاضبة في كل اتجاه وسط شارع بورقيبة، صوب مقرّ وزارة الداخلية تارة وصوب مقر رئاسة الحكومة في القصبة تارة أخرى، في تلك الأثناء، أٌعلن عن وصول المنصف المرزوقي إلى تونس. يومها كنت حاضرا في مطار قرطاج الدولي، ورأيت مئات الأشخاص حضروا لاستقبال رمز النضال والمعارضة في عهد الديكتاتور المخلوع. وكانت من أكثر صور الثورة التونسية لفتا للانتباه آنذاك لحظة حملت الجماهير المرزوقي على الأكتاف، وهتفت بصوت واحد "المنصف المرزوقي رئيسنا".

كان ذلك تكريما تلقائيا رمزيا مستحقا للرجل الذي تحوّل إلى رمز للنضال والصمود بعد سنواتٍ طويلةٍ من المعارضة في الداخل، وسنوات أطول من المنفى في فرنسا، رفض فيها كل صنوف الابتزاز وإغراءات المساومة التي كان نظام بن علي يتقنها لإخراس صوت معارضيه أو شراء ذممهم، حتى تحول إلى الخصم الأبدي للنظام القديم. وفي لحظة نشوة فرحته بالثورة التي جعلته يعود إلى بلاده، محمولا على الأكتاف، يطوّق عنقه إكليل من الزهور مثل بطلٍ أولمبي، أعلن المرزوقي يومها: "أنا اللاجئ السياسي، الذي لم يكن لديه لا مال ولا جاه، عدتُ منتصرًا إلى بلدي، بينما هرب منه المستبدّون الذين طردوني منه خائفين مرعوبين".

المرزوقي مناصل تحمّل مخاطر تأسيس أول تجربةٍ لمنظمةٍ تجاهر بحقوق الإنسان في تونس عام 1989، يوم كان الدفاع عن حقوق الإنسان مغامرةً غير محسوبة العواقب

بالنسبة لمن كان على مطّلعا على الشأن التونسي، لم تكن تلك بداية بروز اسم المرزوقي الذي لم ينتظر الثورة لركوب موجتها كما فعل كثيرون، فالرجل، بحكم خبرته طبيبا، استشعر خطورة النظام المستبدّ قبل غيره بوقت طويل، وكان من بين أكثر الناس في بلده إيمانا بدنو أجل ذلك النظام، لأنه كان يعرف جيدا كيف يشخّص أمراضه. وكما يقال في علم الطب، فالتشخيص الصحيح هو نصف الدواء. والمرزوقي بارعٌ في التشخيص قرأ مبكرا أعراض (وعلامات) زوال النظام الذي أسقطته الثورة. ومن يراجع تصريحاته وكتاباته طوال السنوات العشر الماضية يجد فيها تشخيصا واقعيا لما كان يحذّر من وقوعه اليوم، بخبرة الطبيب المحنّك وحسّ السياسي الملتزم، والرؤية الثاقبة للمناضل الصلب.

ومن يتابع اليوم ما يتعرّض إليه الرجل من حملات تشويهٍ لماضيه النضالي، ومن محاولاتٍ لجرّه أمام قضاء بلاده بتهم واهية، لحمله على نفي نفسه مرّة أخرى في فرنسا، يدرك أن خصوم المرزوقي لا يعرفون من أي معدن صنعت طينة الرجل الذي تعلّم أن لا يهادن. عاش تجربةً مؤلمة، وهو صغير مع عائلته التي أجبرها نظام الحبيب بورقيبة على مغادرة تونس لتستقر في المغرب. وعندما اشتدّ عوده عاد إلى بلاده تونس معارضا لديكتاتورها العجوز بورقيبة، جرّب المحن والمضايقات والسجون في عهده، وفي عهد الرئيس المخلوع بن علي. وفي كل مرة كان يخرج منها صلبا قويا، وهو ما صنع شخصيته العنيدة في نضالها المتسامحة في حوارها، لذلك كان يقول دائما لمن كان يلاحظ عليه معارضته الدائمة الوضع القائم، حتى عندما كان رئيسا لتونس الحرّة، إن الإنسان لا يصبح معارضا باختياره، وإنما بالضرورة، وهو ما ركّزه في إحدى مقولاته التي تلخص فلسفة حياته، وتختزل تجربته "لقد أصبحت معارضا بقوة الظروف، لأنه لم يكن لدي خيار آخر سوى أن أصمت"، ومن يعد بالذاكرة إلى الوراء قليلا يكتشف من كان في زمرة الصامتين خوفا آنذاك، وقيس سعيّد، الرئيس الذي يريد أن يحاكم المرزوقي اليوم، لم يكن سوى نكرة وسط تلك الأغلبية الصامتة التي زيّنت للديكتاتور أفعاله وقوّت شوكته. لذلك، لا تنتظروا من المرزوقي أن يصمت اليوم أو غدا ما دام قادرا على رفع صوته، وهو ما فعله ويفعله كل يوم، مندّدا بعودة الديكتاتورية إلى تونس في ثوبٍ شعبوي رثّ، ومحذّرا من تسونامي الثورات المضادّة التي تتحرّك في أعماق المحيطات، منذرةً بالخراب والفناء لكل التجارب الديمقراطية الفتية في المنطقة العربية، ومبشّرا بالموجات القائمة من الربيع العربي المغتصب.

يعود المرزوقي اليوم إلى الواجهة من خلال خندقه المفضل: المواجهة، وهو الذي لم يبرحها يوما

هذا هو المرزوقي الذي يريدون اليوم أن يحاكموه على مواقفه وآرائه، وهو المناضل الذي تحمّل مخاطر تأسيس أول تجربةٍ لمنظمةٍ تجاهر بحقوق الإنسان في تونس عام 1989، يوم كان الدفاع عن حقوق الإنسان مغامرةً غير محسوبة العواقب، ومجازفة قد تؤدي بصاحبها إلى الهلاك المحتوم. إنه المرزوقي نفسه الذي أعلن، ثلاثة أيام بعد هروب بن علي من تونس، وفي وقت كان العالم كله ما زال تحت صدمة ما وقع، ترشّحه لقيادة التجربة الانتقالية في بلاده، وهي التجربة التي نجح في إدارتها في لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة وصعبة، وفي ظروف استثنائيةٍ مضطربةٍ عاشتها المنطقة العربية برمتها، كانت تونس خلالها، بقيادة المرزوقي، بمثابة النبراس الذي ينير الطريق أمام كل الشعوب العربية التوّاقة إلى الحرية والكرامة.

اليوم، يعود المرزوقي إلى الواجهة من خلال خندقه المفضل: المواجهة، وهو الذي لم يبرحها يوما، لأنها الأوكسجين الذي يتنفسه في مواجهة كل وباء استبدادي طارئ يحاربه بلا هوادة وبدون تنازلات. إنه اليوم الصوت المعارض الأعلى والأبرز بدون منازع، ليس لقيس سعيّد، وإنما للثورات المضادّة التي تقف خلف انقلاب سعيّد، كما فعلت مع انقلاباتٍ سابقة في مصر وتجربها اليوم مع السودان، ومع حروبٍ أهلية أشعلتها في ليبيا واليمن وسورية والعراق وأخيرا لبنان، وليس أخيرا، لأن لائحة التآمر على الشعوب العربية طويلة. قد يختلف كثيرون مع المرزوقي في مواقفه، وفي اندفاعه، وفي جرأته، وفي صراحته، وفي عناده، وفي صلابته، وفي تسامحه، وفي مهادنته، وفي تنبؤاته وتوقعاته، لكن الجميع لا يملك إلا أن يحترمه، لأنه يفرض احترامه، بتواضعه الكبير، على الجميع.