الملف السوري بين ترامب وبايدن

07 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

لا تتغير السياسة الأميركية الخارجية باختلاف الأحزاب وشخوص الرؤساء الحاكمين، فالإدارات الأميركية على تنوعها تخضع لاستراتيجيات موحدة بعيدة المدى، مرتبطة بالمصالح القومية العليا للبلاد، فما يحكم، في النهاية، هي المؤسسات لا الأشخاص في السلطة. ومع ذلك، للرئيس هوامش متفرعة للتحرّك بحرية في الداخل والخارج، وهذه الهوامش من الأهمية بمكان لإحداث تغير في مسار البوصلة الأميركية بالنسبة لدول كثيرة، من دون أن يؤثر ذلك على المصالح الكبرى. على سبيل المثال، حصلت بين إدارتي الرئيسين، أوباما وترامب، متغيّرات كبيرة في ما يتعلق بالملف السوري:

أرخى أوباما لدبلوماسية ناعمة تجاه إيران انعكست في اتفاق نووي سداسي، سمح لأصحاب العمائم في طهران بتنفس الصعداء، وإعادة تفعيل قوتهم السياسية والعسكرية في المنطقة بشكل عام، وسورية بشكل خاص، فيما تشدّد ترامب تجاه هذا الاتفاق، لينتهي الأمر بخروج أميركي منه، وإعادة فرض عقوبات على طهران، وإعطاء ضوء أخضر لإسرائيل بتكثيف هجماتها ضد الوجود العسكري الإيراني في سورية.

الإدارات الأميركية، على تنوعها، تخضع لاستراتيجيات موحدة بعيدة المدى، مرتبطة بالمصالح القومية العليا للبلاد

وقف أوباما حائلا أمام أي تحرّك تركي في الشمال السوري، واضعا "قوات سوريا الديمقراطية" خطا أحمر لا يسمح بتجاوزه، فيما سمح ترامب لأنقرة باختراق شريط حدودي بين تل أبيض ورأس العين، وغض الطرف قبل ذلك عن تحرّك تركي في عفرين.

على الرغم من الخلافات مع تركيا، ساهم ترامب بدعم الموقف التركي في شمال غرب سورية، وأسهم بذلك في منع روسيا والنظام السوري من اجتياح إدلب، في حين كان موقف إدارة ترامب متراخيا جدا حيال المصالح التركية في سورية.

رضخت إدارة أوباما عام 2016 للمطلب الروسي بتأجيل التصويت على "قانون قيصر"، فيما أصرت إدارة ترامب على تمرير القانون في الكونغرس بغرفتيه، النواب والشيوخ. في عهد ترامب تم توجيه ضربتين عسكريتين للنظام السورى، على الرغم من محدوديتهما، لكنهما أظهرتا الخطوط الحمر الأميركية، وهي خطوط كانت ضبابية في عهد أوباما. وتم اعتماد سياسة "القتل المستهدف" كما جرى مع اغتيال قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، المسؤول الأول عن قتل مئات أو آلاف من السوريين. تشير هذه المعطيات إلى أن الهوامش المتاحة للرئيس الأميركي كافية لإحداث تغيير، لا في أهداف السياسة الأميركية الخارجية، وإنما في أدوات تطبيق هذه السياسة، وهو فرق لا يمكن التقليل من شأنه، لأن النتائج العسكرية والسياسية والاقتصادية ظهرت بوضوح بين إدارتي أوباما وترامب حيال الملف السوري.

ولذلك، يخطئ من يعتقد أن لا فرق بين الإدارات الأميركية طالما أن المؤسسات هي الحاكمة لا الشخوص. ويخطئ في المقابل من يعتقد أن تغير الشخوص سيؤدي إلى تغيراتٍ جوهريةٍ في الاستراتيجية الأميركية بشأن سورية.

تعهد بايدن بالمساعدة على دعم إعادة إعمار سورية، على الرغم من موافقته على استمرار "قانون قيصر"

واليوم، ينقسم السوريون بين ترامب وجو بايدن مرشح الرئاسة عن الحزب الديمقراطي: تيار يعتبر أنه لا يمكن الوصول إلى موقف أميركي أفضل من الذي وصلت إليه إدارة ترامب حيال الملف السوري، وأن سياسة بايدن (كان نائبا لأوباما) ستكون، في حدودها الدنيا، إما استكمالا لسياسة أوباما السابقة، أو تخط لنفسها سياسة جديدة من دون أن ترقى إلى مستوى سياسة إدارة ترامب. ويهاجم هذا التيار مواقف بايدن المتذبذبة وغير الواضحة كما كان حال مواقف أوباما، ويستشهدون على ذلك بأن بايدن أصدر وثيقتين للسياسة الخارجية، الأولى لم يذكر فيها سورية نهائيا، ووثيقة أخرى ذكر فيها سورية بشكل عابر.

وبدا التذبذب هذا في سياسته المنشورة على موقعه الإلكتروني، حيث تعهد بايدن بالمساعدة على دعم إعادة إعمار سورية، على الرغم من موافقته على استمرار "قانون قيصر"، ثم تصريحه خلال لقائه مجموعة من السوريين الأميركيين عبر خدمة "زووم"، بالتزامه الوقوف إلى جانب المجتمع المدني والشركاء المؤيدين للديمقراطية على الأرض، من دون أن يتحدّث عن استراتيجية واضحة تؤدي إلى نتائج سياسية عمليا.

الهوامش المتاحة للرئيس الأميركي كافية لإحداث تغيير في أدوات تطبيق السياسة الخارجية

ويعتبر التيار الثاني بايدن أفضل من ترامب، لأنه سيشق خطا سياسيا تجاه الملف السوري بعيدا عن نعومة أوباما من جهة، وبعيدا عن ضغوط ترامب الاقتصادية بعيدة المدى وغير المجدية على المستوى الاستراتيجي من جهة أخرى. ويرى هذا التيار أن فريق بايدن، وفي مقدمتهم أنتوني بلينكن، كبير مستشاريه والمرشح لمنصب وزير الخارجية، يمتلكون رؤية واضحة للتعاطي مع الملف السوري، على الرغم من أن الموقف الحقيقي لبايدن تجاه سورية لم يعلن عنه بعد. ويعتمد هذا التيار على تصريحات بايدن وبلينكن على الرغم من قلتها، فهي تبين أن ثمة مقاربة أميركية للتعاطي مع الملفات الميدانية التي كانت غائبةً في عهد ترامب، حيث أكد بلينكن على ضرورة بقاء القوات العسكرية في شمال شرق سورية، وعلى ضرورة تعزيز العمليات التركية في إدلب، وهذا تصريح علني وواضح حيال الرغبة الأميركية في التعاون مع الأتراك في إدلب. ويذهب هذا التيار إلى أن سياسة ترامب لا يمكن الوثوق فيها، بل لا يمكن التنبؤ بها، فهي قائمة على فورات سياسية أكثر من اعتمادها على تخطيط مسبق، فضلا عن أن استراتيجيته مبنية على مبدأ الانسحاب من الجغرافية الدولية غير المفيدة.

هذا التذبذب في أوساط المعارضة غير موجود بالنسبة للنظام الذي يرغب في خسارة ترامب ووصول بايدن إلى الرئاسة، على أمل إعادة تفعيل سياسة أوباما والحزب الديمقراطي السابقة حيال الأزمة السورية.