الملف الاجتماعي المتفجّر في تونس

الملف الاجتماعي المتفجّر في تونس

18 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

يعود الملف الاجتماعي إلى صدارة المشهد في تونس، وإن على خلفية قضايا البيئة وتصريف النفايات. ولا يحتاج الأمر إلى كثير من النباهة، ليدرك كل مراقبٍ أن الأزمات الاجتماعية كانت دائما نقطة ضعف الأنظمة السياسية المتتالية في تونس. ومثلما عرف الزمن البورقيبي المواجهات الدموية مع العمال في يناير/ كانون الثاني 1978، ثم ثورة الخبز في يناير/ كانون الثاني 1984، فقد أطاحت الاحتجاجات الاجتماعية المتتالية، بداية من أحداث الحوض المنجمي (2008) وصولا إلى احتجاجات 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010، نظام زين العابدين بن علي.

ظلّ الملف الاجتماعي دائما كعب أخيل الذي يشكّل الامتحان الحقيقي لكل من يُمسك زمام السلطة في قصر قرطاج. وربما كان من أهم أسباب تعثّر الديمقراطية التونسية عجز الحكومات المتتالية عن التعامل مع القضايا الاجتماعية الحارقة، والمطالب الفئوية التي لا تنتهي. ولهذا، كان من الطبيعي أن يستفيد خصوم المسار الديمقراطي من هذه الأزمات لتصوير المؤسسات السياسية والدستور، بل والديمقراطية ذاتها، وكأنها هي السبب في ما يجري على الأرض. والأكيد أن الديمقراطية تزدهر في بيئةٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ مواتيةٍ تقوم على تلبية احتياجات الفقراء والشرائح الدنيا في المجتمع، غير أن هذا لا يعني أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردّية يمكن مجاوزتها بنظام سلطوي مغلق، يقمع الحريات ويضيّق هامش الحقوق.

الأزمة الاقتصادية الحالية، وما يصاحبها من تضخّم وارتفاع جنوني في الأسعار وارتفاع معدلات البطالة، هي القنبلة الموقوتة الحقيقية التي تهدّد الاستقرار الاجتماعي

بعد مائة يوم من الإجراءات الاستثنائية التي بدأت في 25 جويلية (يوليو/ تموز) الماضي، وجد الرئيس التونسي، قيس سعيّد، نفسه في مواجهة أول ملف اجتماعي يتعلق بقضية تصريف النفايات، فمدينة صفاقس، ببلدياتها السبع، كانت تستفيد من مكبّ نفايات قريب من إحدى المدن التابعة لها إداريا. ولأن ساكني مدينة عقارب كانوا، طوال السنوات الماضية، قد ناضلوا من أجل الوصول إلى حل لإغلاق مكبّ النفايات، وحصلوا على حكم قضائي في الغرض، وكانت كل الجهات المسؤولة (بما فيها وزارة البيئة والوكالة الوطنية للتصرّف في النفايات) تعلم أن المكب سيغلق في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، وهو ما كان يفترض إيجاد حل سريع للمشكل، وهو ما لم يحصل، بل واتجه القرار السياسي نحو المقاربة الأمنية للتعامل مع الموضوع، ومحاولة فرض الأمر الواقع على ساكني مدينة عقارب، ما أدّى إلى حالة من المواجهات والرفض الشعبي للقرار الحكومي.

وربما كانت أحداث عقارب مجرّد عرض لما يمكن أن تصل إليه الأوضاع الاجتماعية التي تم التعامل معها باستخفافٍ كثير. لقد فشل نظام الإجراءات الاستثنائية في التعامل بشكل عقلاني مع أول ملف اجتماعي يواجهه منذ الإعلان عن تجميد البرلمان وإيقاف العمل بالدستور.

لم تكن المشكلة السياسية في تونس بعد الثورة تكمن في تعدّد الأحزاب، ولا الهامش الواسع للحريات، ولا حتى ما يعتبره بعضهم فوضى البرلمان، على الرغم من أهمية كل هذه القضايا. وإنما المشكل الحقيقي كان دوما في الأزمات الاجتماعية المتتالية، ربما تستطيع الأنظمة السلطوية قمع التحرّكات والتعتيم على أخبارها جزئيا، خلافا للوضع الديمقراطي الذي يشفّ عن كل شيء، إلا أن حلول الأزمات الاجتماعية لا تكون من خلال القبضة الأمنية، ولا التعتيم الإعلامي، بقدر ما تتطلب صبرا وأناةً في التعامل معها، وإيجاد حلول حقيقية لها، بعيدا عن الحلول الترقيعية التي كانت تعمد إليها بعض الحكومات.

من يتصوّر أن حلّ البرلمان وإلغاء الأحزاب والعودة إلى شكل من الحكم السلطوي المطلق إجراءات ستحلّ الأزمات لا يدرك طبيعة الوضع الاجتماعي

الأزمة الاقتصادية الحالية، وما يصاحبها من تضخّم وارتفاع جنوني في الأسعار وارتفاع معدلات البطالة، هي القنبلة الموقوتة الحقيقية التي تهدّد الاستقرار الاجتماعي. ومن يتصوّر أن حلّ البرلمان وإلغاء الأحزاب والعودة إلى شكل من الحكم السلطوي المطلق إجراءات ستحل الأزمات لا يدرك طبيعة الوضع الاجتماعي. وفي التاريخ التونسي القريب، كان الرئيس المخلوع بن علي يتمتع بصلاحيات شبه إلهية، ويسانده حزبٌ حاكمٌ متمدّدٌ يهيمن على شتى المواقع والمؤسسات الأهلية، بالإضافة إلى نقابات صامتة، تخشى رفع صوتها أو الاحتجاج على القرارات الرسمية. ومع ذلك، عجز عن الاستمرار في الحكم، وكانت نهايته السياسية بسبب حراك اجتماعي بدأ جهويا، ثم امتد ليشمل البلاد بأكملها.

المطلوب في المرحلة الحالية ولحماية البلاد من أي مخاطر إعادة بناء المؤسسات الديمقراطية بشكلٍ تتحقق معه المعادلة بين أن تكون ضعيفة جدا إلى حد العجز وألّا تكون قوية جدا إلى حد فرض هيمنتها على المجتمع، فالنظام السياسي العادل هو الذي يقيم الأمان الاجتماعي، ويعطي الانطباع بالعدالة، وأن الدولة تتعامل مع الجميع بروح الإنصاف. ويؤدّي ذلك إلى نزع صفة التسييس عن الصراعات الاجتماعية، ونعتها بالمؤامرات، أو شيطنة المحتجّين، وإنما ينبغي التعامل المؤسّسي مع تلك الصراعات بهدف التسوية والتهدئة.