المكتبات كلها مشتاقة لحضرتكم

المكتبات كلها مشتاقة لحضرتكم

26 سبتمبر 2021
الصورة

(لؤي كيالي)

+ الخط -

تلقّى مثقفون سوريون خبر إغلاق مكتبة نوبل الدمشقية بكثير من الحزن والأسف. هناك علاقة نفسية وروحية تربط المثقفين بالمكتبات، فمعارفهم وثقافتهم تشكلت، عبر السنين، من خلال كتبٍ اشتروها من نوبل، أو دار ميسلون، أو مكتبة النوري، وأحياناً يلتقي اثنان أو ثلاثة منهم في إحدى المكتبات، في أثناء بحثهم عن كتاب ما، فيتعارفون... ولعلها مصادفة جميلة، أنني، محسوبكم، دخلت ذات مرّة إلى مكتبة نوبل، فوجدت هناك الكاتب المسرحي سعد الله ونوس، وتعارفنا، وأصبحنا صديقين. وأما المكتبات الكثيرة التي تكتظّ بها شوارعُ حي الحلبوني فكانت، وما زالت، مختصّة بتداول كتب التراث، بالإضافة إلى المعاجم اللغوية، والقرطاسية، وخدمات التغليف والتجليد وتصوير الفوتوكوبي والتيراج، وما شابه ذلك.

فتح الحزنُ على المكتبة الدمشقية أمام بعض مثقفي مدينة حلب والمدن الشمالية ملفّ المكتبات الحلبية التي أغلقت، أو أصبحت على حافّة الإفلاس، فالإغلاق، مثل دار القلم، ومكتبة الأصمعي خلف بناية الأوقاف، ومكتبة الثقافة، ومكتبة الفجر التي كانت مختصةً ببيع الكتب الماركسية، وتحولت إلى محل لبيع الكنافة النابلسية... ومن أجمل عمليات إغلاق المكتبات، وأطرفها مكتبة عجان الحديد، قرب الجامع الكبير، والتي أَسقطت فوقها إحدى مروحيات بشار الأسد برميلاً متفجّراً فمسحتها من الوجود.

في عصر ما قبل الإنترنت والفضائيات والهاتف المحمول، كان يوجد في مدينة دمشق، على نحو يومي، نوعان من الأدباء والمثقفين: أبناءُ المدينة والقادمون من المدن البعيدة، وكان هؤلاء ينزلون في فنادق يمتلكها أبناءُ بلدهم، وفي النهار يتعمّدون الجلوس في مقهى يرتاده أدباء المدينة والوافدون، لأجل سهولة اللقاءات بين الأصدقاء، والتعارف بين الأدباء الذين لم يسبق لهم أن التقوا شخصياً... وهذا يسوّغ للجميع أن يحزنوا على المقهى إذا أغلق. ولدينا مثال باهر على ذلك، القصيدة الساخرة التي كتبها الأديب الكبير عبد السلام العجيلي في رثاء مقهى البرازيل، وقد نسجها على منوال القصيدة الجاهلية التي تبدأ بالوقوف على الأطلال، فقال: قفْ بالطلول وقلْ يا دمعتي سيلي/ أخنى الزمانُ على مقهى البرازيلِ.

حدث في حلب شيءٌ مماثل، حينما ذهب الأدباء والمثقفون، في عصر أحد الأيام، إلى مقهى القصر الذي داوموا عليه سنينَ طويلة، ليجدوه قد أغلق، وبعد مدةٍ تحول مكانُه إلى ثلاث محلات تجارية، أحدُها مخصص لبيع الأحذية، ثم دُمجت المحلات الثلاثة، في وقت لاحق، وافتتح فيها بنك أهلي. وأذكر أن رواد مقهى القصر قد تفرّقوا بين مقهى الموعد، ومنتدى الشام، وكافتيريا الفندق السياحي. وفي 2006، حينما أعلنت منظمة اليونسكو مدينة حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، انتقل قسمٌ من المثقفين إلى مقهى الثقافة الذي يمتلكه المحامي محمود حمام الذي يقع على امتداد مكانين مشهورين جداً، الأول ملهى الشهبندر الذي كانت تقام فيه حفلات كبار المطربين الذين يأتون من مصر، أو من دمشق، وقد أغلق، وأصبح مكانه "كاراج شويحنة للسيارات" والثاني مطعم الشباب الذي داوم عليه منذ افتتاحه شبابٌ، استمرّوا يذهبون إليه يومياً حتى أصبحوا شيوخاً طاعنين بالسن.

كانت المنطقة الواقعة على امتداد شارع بارون والقوتلي ملأى بالمقاهي والمكتبات التي تبيع كتباً مستعملة على الأغلب، ومعظمها في الأقبية. ومن المواقف الطريفة التي حصلت في إحداها أن زبوناً سأل صاحب مكتبةٍ عن رواية حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر" فقال له: والله يا حجّي ما عندي هالكتاب، إذا بدّك في عندي "التداوي بالأعشاب".

يمكننا، أخيراً، أن نلتمس عذراً للأدباء والمثقفين الذين ما زالوا يعيشون داخل سورية، إذا هم حزنوا على إغلاق مكتبة أو مقهى يمكنهم زيارته عندما يريدون. ولكن غير المفهوم أن يبكي على المكتبات مثقفون هاربون، أو منفيون؛ إذا وضع أحدُهم رجله على أرض سورية، يسارع نظام الأسد الإجرامي إلى قصّ تلك الرجل بالمنشار.