المقاومة بين صعود الجبل والنزول إلى الشارع

22 يونيو 2025   |  آخر تحديث: 02:31 (توقيت القدس)
+ الخط -

تعيش المنطقة العربية والشرق الأوسط أجواء أشبه بأجواء يونيو/ حزيران 1967، عندما تعرّض المشروع القومي العربي الاشتراكي لضربة كبيرة. والآن هناك نماذج عمل وفعل تواجه تحدّيا مصيريا، وهناك أكثر من سيناريو مفتوح. الدمار في قطاع غزّة، والهجمة في الضفة الغربية، وما حدث في لبنان وسورية، وما قد يحدُث مع إيران... يحتاج ذلك كلّه إلى مناقشة البدائل الضرورية، حتى لا يحدث استسلام أو انتصار لمشروع الشرّ والهيمنة الذي يستهدف المنطقة.
بعد صدمة كُبرى تصيب شعباً أو شعوباً، هناك ثلاثة مواقف محتملة رئيسة. الأول، ظهور تيّار يدعو إلى ما تُسمّى الواقعية و"سدّ الذرائع"، وخفض الرأس للعاصفة و"تقليص الخسائر"، وقبول ما هو ممكن ومتاح، حتى لو كان "نصف استسلام" واعتباره صموداً، وأنّ هذا يشكّل حمايةً للوطن، ويُشكّك بمن يريد تغيير الظروف والتساؤل عن دوافعه ومصالحه. الثاني هو الإصرار على الأساليب القديمة، حتى لو ثبت أنّها قامت على حسابات خاطئة، والتشبّث بما مضى، وتخيّل أنّه موجود، وقادر على الاستمرار، وأنّه لا يزال يقود المرحلة. وثالث يريد التغيير والرفض بأساليب منظّمة جديدة مناسبة، من دون الخوف من مراجعات كُبرى، واعتراف بالأخطاء.

إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية (النزول إلى الشارع)، وبثّ ثقافة وتنظيم الرفض عربياً وعالمياً هي مهمة مركزية

لنعد إلى مثالَين سابقَين كانا ردّتي فعل أرادتا المراجعة والتطوّر، من ناحية تبنّي المقاومة بنهج وبِنىً جديدة، إذ فعلت الحركة الوطنية الفلسطينية ذلك مرَّتَين تاريخياً، على الأقلّ. فإطلاق الكفاح المسلّح المعتمد على القوى الشعبية بعد 1967، تجسيداً لنظرية حرب التحرير الشعبية، المدعوم بكيانية وطنية فاعلة ونشطة وموحّدة (منظمّة التحرير الفلسطينية وفصائلها)، كان مثالاً تاريخياً لكيفية الخروج من الصدمة. والمثال الثاني قادته الفصائل الفلسطينية الأساسية في انتفاضة 1987 (الانتفاضة الأولى)، بأدوات التنظيم الشعبي، الذي يجد مكاناً للعجوز والطفل والمرأة والرجل والشاب، في كلّ قطاعات المجتمع، مع قيادة وطنية موحّدة تشكّلت ميدانياً. أي أننا أمام مثالين متجدّدين للمقاومة من الماضي. تاريخياً، لا يحقّق منطق "سدّ الذرائع" والسلبية الانتظارية، من دون خطة مواجهة حقيقية، أيَّ نجاح، وهو ليس صموداً، بل هو وصفة لتدمير الذات، خصوصاً أمام عدو يصرّ على مزيد من الانقضاض. أما منطق الإصرار على عدم رؤية المتغيّرات والمعطيات الحقيقية للمرحلة، وعدم الاعتراف بالأخطاء، فيعجز عن الاستمرار والنجاح.؟
أمام الهجمة الاستعمارية الشاملة التي تتبنّى هدفَين: إبادة الفلسطينيين فعلياً وسياسياً والهيمنة على المنطقة العربية، يبقى منطق المقاومة. وهذا المنطق أمام مفترق طرق، يمكن تسميته تجاوزاً بين طريقَين: "صعود الجبل" و "النزول إلى الشارع". هذان المصطلحان استُخدما تاريخياً، ومفيدان لفهم الواقع الراهن للمقاومة في فلسطين ومحيطها المستهدف صهيونياً. ويمكن تعريف صعود الجبل (مجازاً) أنّه اللجوء إلى الكفاح المسلّح النظامي وشبه النظامي، في صورة تشكيلات عسكرية ومجموعات مسلّحة، وهو ما جُرّب في السنوات الفائتة من دون تنظيم شعبي، ومن دون خطّة عمل شاملة. أمّا النزول إلى الشارع فله اسمٌ آخر ظهر في السياق الفلسطيني هو "الانتفاضة". والانتفاضة هي حالة تستنفر المكوّنات الوطنية كلّها: رجل وشابّ وعجوز وامرأة، ومن القطاعات الشعبية كلّها، كلّ بدوره المناسب، وعلى نحو مخطّط ومدروس بقدر ما فيه من ارتجال وإبداع، ويتضمّن القوى الضاربة التي تواجه في الأرض عنف الاحتلال: المزارع والعامل والأكاديمي والطبيب... إلخ. وهذه التجربة ظهرت في الانتفاضة الأولى لعام 1987، كما أن تجربة انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية في عام 2000)، وتجربة المقاومة الشعبية الخاصّة بالجدار بعد 2002، قد تتضمّن كثيراً من الدروس المستفادة.
الانتفاضة ليست وليدة لحظة، ولا تأخذ شكلاً واحداً، ولكن تاريخياً ومع نهاية السبعينيّات، وفي 1981 تحديداً، اتخذت القيادة الفلسطينية توجّهاً استراتيجياً جديداً، خروجاً من مستنقع الحرب الأهلية اللبنانية، وهو العودة إلى الداخل (الثورة الشعبية)، وتكرّس هذا الاتجاه بعد غزو إسرائيل لبنان عام 1982، ونتائج هذا الغزو. بنيت الحركة الشعبية وفق مخطّط في الجامعات والمدارس وعبر مراكز البحث والدراسات والنشر في فلسطين، وعبر جمعيات الأسرة والفنّ والثقافة، والعمل التعاوني والتطوعي، واتحادات الشباب والمرأة والمزارعين، والإغاثة الطبية، والمشاريع الصغيرة، وبُنيتْ مؤسّساتٌ داعمةٌ خارجيةٌ وداخليةٌ، من صحف ومجلات تخاطب العالم العربي ككل (مثل القدس العربي واليوم السابع)، عدا عن المخصّصة للداخل الفلسطيني. الآن، إذا كان الحفاظ على منظّمة التحرير الفلسطينية، والتأكيد على الكيانية الفلسطينية الواحدة الموحّدة وإعادة بنائها، قد أصبح معركةً مصيريةً، فإنّ إعادة الاعتبار لمنطق حركة التحرر (منطق شعبي شامل) في جانب الكيانية المؤسّسية والقانونية أمر أساس.
مع المخطّط العسكري الإجرامي (بالمعنى القانوني للكلمة) الإسرائيلي، المدعوم (أو المبني) أميركياً ومن حكومات غربية، وانتهاج الإبادة، فإن إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية (النزول إلى الشارع)، وبثّ ثقافة وتنظيم الرفض عربياً وعالمياً هي مهمة مركزية.

يمكن أن يعوّض إعلام عربي أو دولي، مهما كان داعماً، مؤسّسةً إعلامية فلسطينية بقرار مستقلّ وأجندة وطنية خالصة

هناك عدد كبير من المهام التي تحتاج عملاً كثيراً، وإلى النقاش بين القوى الحيّة في المجتمع، وإلى التنسيق مع القوى العربية والعالمية. ومن عناوين هذه المهمّات، أولاً أن الفلسطينيين يحتاجون إلى مؤسّساتهم الخاصّة، فلا يعقل مثلاً أن يحدث ما يحدث في غزّة من دون مؤسّسات بحثية وإعلامية وإغاثية مستقلّة لديها القدرة والإمكانات، فليس صحيحاً ألّا يكون هناك منصّة إعلامية فلسطينية خاصّة تستقطب الجمهور الأوسع فلسطينياً وعربياً (بعد عزوفهم عن المؤسّسة الرسمية التي تتماهى مع إعلام الأنظمة التقليدية في الدول المستقلة)، فأيّ إعلام عربي أو دولي مهما كان داعماً، لا يمكن أن يعوّض مؤسّسةً فلسطينيةً بقرار مستقلّ وأجندة وطنية خالصة. لذا، فإعادة بناء مؤسّسات التفكير والإعلام الفلسطينية مسألة أساسية. ولابد (ثانياً) من إعادة بناء الكادر والطاقات والقدرات الشعبية، وترويج ثقافة المقاومة المنظّمة، وليس بثّ روح المقاومة فقط، التي من دون تنظيم وخطط لا تجد منفذاً سوى العمل الارتجالي أو الفردي أو المرتبك، بحسابات سلطوية وحزبية، لذلك يجب أن تطوّر نظرية مقاومة جديدة تأخذ بالاعتبار متغيّرات العصر، وهذا ما يقود إلى النقطة الثالثة، ممثلةً في أنّ واحدة من أكبر مشكلات مرحلة "ما بعد أوسلو" هي تحوّلات المنظّمات غير الحكومية، وتراجع العمل التطوّعي، لذلك فإنّ العودة إلى الدعم الفلسطيني الذاتي مالياً للجمعيات والجامعات والمدارس أمر أساس، مع البحث عن دعم عربي أو عالمي غير مشروط، وبعيد من أجندات الحكومات الحليفة لإسرائيل.
رابعاً، هناك حاجة ملحّة لبناء حركة التضامن الدولية من جديد، وفق منطقٍ يصنّف القضية الفلسطينية قضيةَ عدالةٍ وخيرٍ مقابل الشرّ الصهيوني، مع إفراد خطّة خاصّة لاستعادة التضامن العربي، فضلاً عن الانخراط في خطاب وطني يرفض تجزئة الشعب والبلدان على أسس طائفية وعرقية وجهوية. هناك كثير من الطاقات والكوادر الفلسطينية والعربية، والقوى الشعبية حول العالم لا تزال تؤمن وتعمل وفق منطق المقاومة والصمود، ومواجهة خطر الهيمنة الصهيونية، وتفتيت البلدان لا يتعلّق بفلسطين فقط.
فلسطينياً، مع التأكيد على العمل والقرار الوطنيَّين المستقلَّين، تصبح الأولوية جمع القوى الرافضة للاستسلام ضمن خطّة عمل جامعة ضمن حراك وطني مستمرّ ومنظّم. وإذا كانت مهمة لقاء القوى الوطنية غير سهلة، خصوصاً مع حالات الشتات والتشكيك، وتراجع الثقة ومنطق حركات التحرّر عالمياً، لكنّها حتمية وليست وهماً. إذا أُعيد إحياء مجتمع المقاومة والتحرّر، فهذا المجتمع يكون حاضنةً لباقي الخيارات، سواء صعود الجبل أو الكيانية المتحوّلة للسيادة والاستقلال.

أحمد جميل عزم
أحمد جميل عزم
كاتب وباحث وأستاذ جامعي فلسطيني في العلوم السياسية والعلاقات الدولية