المغرب وموسم الهجرة بين الأحزاب

المغرب وموسم الهجرة بين الأحزاب

22 اغسطس 2021
الصورة

مغربية أمام جدار في الرباط عليه رموز أحزاب سياسية مغربية (7/10/2016/فرانس برس)

+ الخط -

مع اقتراب استحقاقات الثامن من سبتمبر في المغرب، انتخابات تشريعية وجهوية ومحلية في آن، يعيش المشهد السياسي المغربي تحرّكات واسعة وسباقا محموما بين المتنافسين، لا لطرح البرامج والأفكار، ولا لتوضيح الرؤية للناخبين الذين اختلط عليهم كل شيء، وإنما للحصول على تزكيات الأحزاب السياسية التي بدونها لا يمكن لأي أحدٍ تقديم ترشيحه، خصوصا في الانتخابات التشريعية، حيث يمنع الفصل 61 من الدستور المغربي ضمنيا الترشّح المستقل للأفراد، ويعاقب القانون كل من تخلّى عن انتمائه السياسي الذي ترشّح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها بإسقاط عضويته في البرلمان بمجلسيه، فيجرّد "الخائن الجاني" (على ذكر أغنية فاضل المزروعي ذات اللحن المغربي) من منصبه ويحرم من مكاسبه. ومن ثمّة، فإن برلمانيين عديدين لا يجرؤون على تغيير انتماءاتهم الحزبية خلال الولاية الانتدابية، مخافة فقدان المقعد، ولا يقومون بذلك إلا عند انتهاء الدورة التشريعية، حيث ينطلق موسم الهجرة بين الأحزاب، ويحين موعد الترحال السياسي بانتهازية نفعية ووصولية نهمة وبشعة.

عند انتهاء الدورة التشريعية، ينطلق موسم الهجرة بين الأحزاب، ويحين موعد الترحال السياسي بانتهازية نفعية ووصولية نهمة وبشعة

قد يقول قائل إن من حق أي إنسان تغيير انتمائه السياسي، والانتقال من حزب إلى آخر، وهذا ما تكفله كل قوانين الدول الديمقراطية، بل يمكن أن نقول إن هذا الأمر جد طبيعي، فأي إنسان تتطوّر أفكاره مع الممارسة السياسية. ونتيجة التدافع مع الغير الذي من شأنه دفع سياسيين عديدين إلى نوع من البراغماتية، حيث تصطدم أفكارهم السياسية عند محاولة تنزيلها، وتجريب تطبيقها مع الواقع المعيش ومع تحديات الحكم والقدرة على التنفيذ، وضعف هامش المناورة والمفاضلة بين الأولويات.

ونقول، من حق أي واحدٍ القيام بمراجعات فكرية، وتغيير قناعاته السياسية في سيرورة (بالسين) تنتج عن التراكم الكمّي والمعرفي الذي يكتسبه الإنسان من خلال تجربته السياسية، لكنها تأتي خطوة خطوة، وتتضح في مساره من خلال تطور مواقفه، وقد تفضي هذه السيرورة إلى صيرورة (بالصاد هذه المرّة) فكرية، تعبر إضافة إلى التراكم الكمّي عن تحول نوعي، وتقدّم فكري يغير الوجهة والاتجاه، ويقطع مع أفكار الماضي ومفاهيم الأمس. لكن هذا لا يتم وكأن الإنسان ينطق بالشهادة، فينتقل من الكفر إلى الإيمان بكلمة واحدة، ويقفز من ضفة إلى أخرى من دون أن يأخذ لا قاربا ولا سفينة، بل هي سيرورة طويلة وصيرورة مُتأنية.

القفز من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار لا يليق ولا يجوز، ويجب أن يعاقب الناخب من يفعله

قد يغير المرء اتجاهه لكن بقدْر، وقد يجدّد كل إنسان أفكاره، ولكن بتدرّج. ومن ثمّة، يمكن أن نقول إن تغيير الانتماء الحزبي لا يعني تحويل البوصلة 180 درجة مئوية في ثوان معدودة، ولا يعني التحوّل من حزب يميني وطني ذي مرجعية إسلامية إلى حزب يساري حداثي ذي مرجعية شيوعية، والعكس صحيح. أما أن يكون الرجل زعيما لأقدم الأحزاب المغربية، الاستقلال، وهو حزب وطني ذو مرجعية إسلامية عروبية، ثم بين عشّية وضحاها ينتقل بعد الاصطدام بقيادة حزبه، وبعد الفشل في ابتزازها، إلى حزب القوى الديمقراطية، وهو حزب منشق عن الحزب الشيوعي المغربي المسمى حزب التقدم والاشتراكية، فلعمري إن هذا من العجب العجاب.

حزب جبهة القوى الديمقراطية، كما ينص قانونه الأساس، هو "حزب سياسي ينتمي لصف اليسار الحداثي، ويتبنّى الاجتهاد الإنساني، بكل امتداداته الفكرية التحرّرية". أما "الاستقلال" فتقوم أهدافه على التمسّك المتواصل بالقيم والمبادئ المبنية على "تعاليم الإسلام المحفوظ بلغة القرآن، والداعي إلى الشورى بين الناس، وإلى التكافل والتضامن بينهم". وهكذا، يصبح الرجل اليوم يساريا، لئلا نقول شيوعيا مدافعا عن الحداثة والعلمانية والمرجعية الكونية التحرّرية، ومبادئ الديمقراطية بمفهومها الغربي، بينما كان أمس رجلا محافظا يدافع عن المرجعية الإسلامية ولغة القرآن والشورى بمفهومها القرآني.

إنه العبث الذي يزيد من تخبط المشهد السياسي المغربي الذي تقوم ركائز المنافسة السياسية فيه على شعبوية متزايدة، ورغبة في الوصول إلى السلطة باستعمال أخسّ الأساليب، وباستغلال أصحاب الجاه والمال، وذوي النفوذ ولو كانوا فاسدين. وهذا ما دفع أحد الكتاب الإقليميين لحزب الاتحاد الاشتراكي إلى الاستقالة من حزبه، احتجاجا على تزكية رجل متهم بجريمة الاتجار في البشر واستغلال 11 عاملة جنسيا كن يشتغلن لحسابه.

رسالة إلى الناخب مفادها أن الانتماء الحزبي أصبح حصان طروادة، للوصول إلى المناصب والمنافع، ليس إلا

قد تكون ظاهرة الهجرة بين الأحزاب مفهومة مع وجود الامتداد الفكري بين بعضها، فقد ينتقل المرء داخل مكونات الأحزاب المحافظة أو بينها وبين مجموعة الأحزاب الليبرالية أو الوسطية، أو بين هذه ومكونات اليسار المعتدل وهكذا دواليك. أما القفز من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فلا يليق ولا يجوز، ويجب أن يقوم الناخب بمعاقبة من يفعل هذا، لأنه دليلٌ على التفسّخ الأخلاقي، وهشاشة الارتباط الحزبي المبني على القيم والدفاع عن المبادئ، الذي أضحى ارتباطا منفعيا مصلحيا انتهازيا، يقوم على الزبونية الحزبية والريع السياسي.

هي ظاهرة مقيتة لا تخلو منها كل الأحزاب المغربية، فقد أصبحت هذه الأحزاب معنية بهذا الأمر، بما في ذلك "العدالة والتنمية" ذو المرجعية الإسلامية الأصيلة الذي كان انضباط مناضليه وتفانيهم في خدمة الصالح العام مثالا يُحتذى، فقد فارقه وتخلى عنه عديدون، منهم برلمانيون ورؤساء جماعات بلدية، ما يظهر تفشّي الظاهرة، ويعطي رسالة إلى الناخب مفادها بأن الانتماء الحزبي أصبح حصان طروادة، للوصول إلى المناصب والمنافع، ليس إلا.