المغرب والجزائر إلى أين؟

04 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

صادفت تداعيات المناوشات العسكرية التي قامت بها جبهة بوليساريو، على المعبر الحدودي بين المغرب والجزائر وموريتانيا، مرور الذكرى الثانية والثلاثين لتأسيس اتحاد المغرب العربي (17 فبراير/ شباط 1989). وقد ترتَّب عن ذلك تعطيل الطريق التجاري المتجه من المغرب صوب السنغال وموريتانيا. واجه الجيش المغربي الحركة التي أقدمت عليها بوليساريو، وعمل على وقفها، فاستعاد الطريق حركته، بعدما حصل خرقٌ واضح لاتفاق وقف العمليات العسكرية، الحاصل بين الأطراف المتنازعة منذ سنة 1991 بإشراف الأمم المتحدة، لكن الحدث المذكور الحاصل قبل أسابيع من ذكرى التأسيس، أعادنا إلى سؤال تفعيل الاتحاد ومؤسساته.

لم تستطع دول المغرب العربي، طوال العقود الثلاثة المنصرمة، التغلب على العوائق والصعوبات التي أوقفت مسلسل بناء المغرب العربي الكبير. وإذا كان من المؤكّد أن مشكل الصحراء يُعَدُّ من المشكلات التي تقف حجر عثرة أمام كل توجّه يروم الدفع بآليات عمل الاتحاد، فإنه لا ينبغي أن يتحوَّل إلى فعل محاصرة دائمة للآمال الكبيرة لشعوب المغرب العربي، في موضوع بناء آليات اندماجها الاقتصادي والسياسي والثقافي، بما يعزّز حضورها في زمنٍ لم يعد يلتفت إلى الكيانات الصغيرة. وتزداد أهمية هذه المسألة، عندما نعرف حرص مؤسسات عديدة من المجتمع المدني في أغلب الأقطار المغاربية على تمتين روابط التواصل والاندماج.

 لو تمكَّن اتحاد المغرب العربي من اختراق حالة التصلّب التي لحقته، لَشَكَّل امتداداً فاعلاً في جسم المشرق العربي

يمتلك الاتحاد مقوِّمات الوجود والمبادرة والفعل، وهو مؤهّل ليكون قاطرةً إقليمية للتعاوُن والتنمية بمؤهلات بشرية وجغرافية ورصيد تاريخي مشترك. إنه البوابة الشمالية لأفريقيا الصاعدة، وهو يوفر للبلدان المغاربية قواعد صلبة لبناء علاقاتٍ متكافئةٍ مع الاتحاد الأوروبي، بحكم انفتاح شواطئه وموانئه على طول البحر الأبيض المتوسط، من طنجة إلى بنغازي (أزيد من خمسة آلاف كلم)، ومن دون إغفال الإشارة إلى علاقته ببعض الدول الأوروبية شمال المتوسط خلال حقب التاريخ، وارتباطه القويّ ببعضها الآخر في الفترة الاستعمارية، زمن المد الإمبريالي في القرن التاسع عشر.

نتصوَّر أنه لو تمكَّن الاتحاد من اختراق حالة التصلّب التي لحقته، لَشَكَّل امتداداً فاعلاً في جسم المشرق العربي، بمختلف مكوِّناته الأخرى المُمتدَّة شرقه، والممتدَّة أيضاً، في الجزيرة العربية والخليج، فنصبح، في النهاية، أمام جناحين بطول الجغرافيا العربية، وبكل القدرات والموارد التي يحملها كل منهما، بابين كبيرين ينفتحان على ثلاث قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، وينفتحان عبر بوابة المحيط الأطلسي على الأميركتين، ومن دون إغفال أرصدة تجارب التاريخ الكبرى، بكل ما حملته وتحمله مِن إِرث حضاري متنوع ومتعدّد، إرثٍ امتلك صورا من التفاعل المنتج في كثير من مفاصل التاريخ، وكثيراً من المدّ والجزر مع مختلف الشروط العامة التي ارتبطت بوجوده وتحولاته.

تحضر ذكرى تأسيس اتحاد المغرب العربي في السنوات العشر الأخيرة بدون جديد، أغلقت أبواب الاتحاد ونوافذه، ظلّ حضوره المؤسسي بدون أثرٍ يُذكر

تحضر ذكرى تأسيس اتحاد المغرب العربي في السنوات العشر الأخيرة بدون جديد، أغلقت أبواب الاتحاد ونوافذه، ظلّ حضوره المؤسسي بدون أثرٍ يُذكر. ويتم اليوم نسيان الآفاق والآمال التي عُقِدَت على بنود ميثاقه، المكتوب بلغةٍ قريبةٍ من طموحات التاريخ المشروعة لمجتمعاتٍ تشدّها كثير من أواصر التاريخ وحتميات الجغرافية، حتى عندما يعاند الحكام أو ينخرطون في حسابات التنافس الخاطئ الذي لا يلتفت إلى مقتضيات التاريخ وشروطه، أو لا يتم الانتباه فيه إلى أن المواقف التي اختار حُكَّامُه في عقود سابقة لا تُعَدُّ مطلقةً أو نهائية، كما لم يحصل الانتباه، في بعض دوله، إلى أن مواقع زمن الحرب الباردة وخياراتها لم تَعُد مُجْدِية في سياق الحاضر وتناقضاته الجديدة، وهي سياقاتٌ مختلفةٌ عن سبعينيات القرن الماضي.

تواجه بلدان المغرب الكبير اليوم جملة من الشروط المرتبطة بتداعيات الربيع العربي ومخلّفاته، حيث أوضاع الشعب الليبي على حالها. وتونس، على الرغم من كل ما تحقَّق فيها من تَمَرُّس نخبها ببعض آليات العمل الديمقراطي، لم تتمكّن من مغالبة مقتضيات الزمن الانتقالي. وفي الجزائر، يستمرّ الحراك الاجتماعي، متطلّعاً إلى بناء دولةٍ مدنية، في مجتمعٍ ضاق بدولةٍ لا تريد الاستماع إلى حراكه السلمي وتطلعاته الرامية إلى وقف مسلسل الفساد وتوسيع مجالات الحرية والتشارك. أما في مخيمات تندوف، فإن وضعية الساكنة تزداد سوءاً، وذلك بعد تراجع الدعم الدولي وتوقُّف تبادل الزيارات بين الصحراويين وأهاليهم في الجنوب المغربي، المبادرة التي كان يُفترض أن تساهم في بلورة ما يُسعف بتطوير المقترح المغربي، الهادف إلى منح أقاليم الصحراء حكماً ذاتياً داخل السيادة المغربية.

علاماتٌ كثيرة تُغْفِل هشاشة الأوضاع المغاربية، وتدعو العقلاء في بلدان المغرب الكبير إلى وقف خطابات الحرب ومناوشاتها

أدَّت المناوشات التي عرفها الممر الحدودي المتجه نحو أفريقيا إلى عودة لغة الحرب الإعلامية إلى ملف الصراع المغربي الجزائري، وقد ازدادت الأمور تعقيداً في الأشهر الأخيرة بتوقيع المغرب معاهدة تطبيع علاقاته مع إسرائيل، حيث امتلأت سماء الاتحاد مجدّداً بكثير من الغيوم. أما المقايضة المعلنة التي حصلت بين التطبيع والصحراء المغربية، فقد أدخلت الاتحاد في دروبٍ أخرى، زادت أفقه ومستقلبه تعقيداً.. ولعل الذين يتابعون التداعيات الجارية اليوم، في سياقاتٍ مختلفةٍ ومتنوعة داخل أغلب بلدانه، يلاحظون تزايد انتشار العديد من الخطابات الملغومة بحسابات غريبة عن لغة العقل والتاريخ. وفي هذا الموقف علاماتٌ كثيرة تُغْفِل هشاشة الأوضاع المغاربية، وهي تدعو العقلاء في بلدان المغرب الكبير إلى وقف خطابات الحرب ومناوشاتها.

يَحِقُّ لنا أن نتساءل: لماذا يحتل كل من المغرب والجزائر مكانة مركزية في موضوع تعطيل مؤسسة الاتحاد؟ لا نتصور وجود المشكل في الصور التي اتخذها منذ سبعينيات القرن الماضي من دون وجود الجزائر، مثلما أنه لا يمكننا أن نفهم المشكل بصورةٍ جيدة، إلا في سياق الميراث الاستعماري وسياق أخطاء معارك التحرير وإكراهاتها المعلنة والمسكوت عنها، وكذا سياقات الحرب الباردة. ولا بد من التذكير هنا بأن مسألة الميراث الاستعماري لا تزال قائمة، حيث ما تفتأ بعض ثغور شمال المغرب وجزره في الجنوب والشمال تحتلها إسبانيا؟ وهذا الاحتلال المتواصل نفترض أنه يخصّ المغاربة، كما يخص أقطار اتحاد المغرب العربي، عندما يتحوّل الاتحاد ذات يوم إلى مؤسسةٍ إقليميةٍ لتنمية غرب الوطن العربي.