المغرب و"بيغاسوس" للتجسّس

المغرب و"بيغاسوس" للتجسّس

24 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

أظهر تحقيقٌ دولي، شاركت فيه منظمات دولية، مثل هيومن رايتس ووتش، وصحف ومواقع إخبارية عالمية، مدى خطورة تطبيق "بيغاسوس"، وقدرته على اختراق الهواتف الذكية لعديدين من الساسة والصحافيين ورجال الأعمال، ما يسمح لعيون المراقبة بالتجسّس على الضحية في كل حالاته الخاصة والعامة، وليبقى عاريا في حركاته وسكناته أمام الجواسيس. ونظرا إلى خطورته البالغة، ومنها إمكانية تفعيل الميكروفون والكاميرا عن بعد، فإن السماح باقتنائه لا يتم إلا بإذن من أعلى سلطة في الكيان الصهيوني، وفي تواطؤ مكشوف بينها وبين بعض الدول والأنظمة التي حرصت على امتلاكه لغايات متنوعة، ولتقضي به مآرب شتى، معلومة.

أحدثت نتائج التحقيق ضجّة كبيرة في فرنسا، بعد الكشف عن تجسّس المغرب على بعض المسؤولين الفرنسيين ورجال الصحافة، وهو الأمر الذي نفاه المغرب جملة وتفصيلا في بيان للحكومة المغربية، 19 يوليو/ تموز الجاري، بل صرحت الحكومة المغربية، بعد يومين من بيان النفي المطلق، بأنها سترفع دعاوى قضائية ضد أي شخصٍ يتهم الرباط باستخدام البرنامج المذكور.

التجسس المغربي، ودائما حسب التحقيق، طاول الرئيس ماكرون والوزير الأول السابق إدوارد فيليب ووزراء، من دون الحديث عن صحافيين معروفين بتوجهاتهم الحقوقية ودفاعهم عن حقوق الإنسان، أو بعض الذين لهم مواقف عدائية من مسألة الوحدة الترابية وقضية الصحراء المغربية، وهو ما حدا نوابا فرنسيين إلى مساءلة الوزير الأول الفرنسي، جان كاستكس، في البرلمان ليرد: "إذا ثبتت هذه الوقائع فهذا سيشكل أمرا خطيرا جدا. أمرنا بإجراء تحقيقات للتحقق منه، لكن هذا لم يعط نتائج ملموسة. وبالتالي، لا يمكنني أن أعبر عن أي أمر في هذه المرحلة من التحقيق". كما صرح بعد ذلك للقناة الأولى الفرنسية قائلا "من غير المسؤول أن نقول أشياء حتى نعرف بالضبط ما يجري"، مشيرا إلى أن الرئيس ماكرون قد أمر بالفعل "بسلسلة كاملة من التحقيقات"، وقد استدعى أول من أمس الخميس، 22 يوليو، مجلسا للدفاع الوطني للحديث عن هذا الأمر.

يُعترف للمغرب دوليا بقوة مخابراته، الداخلية والخارجية، وهي القوة التي يتمثل جانبها المضيء في محاربة الإرهاب والتطرّف والجريمة المنظمة

علاوة على هذا، أعلنت النيابة العامة في باريس فتح تحقيق في ملابسات ما كشفته التقارير الإعلامية بشأن التجسّس على صحافيين فرنسيين لصالح المغرب، يشمل عشرة اتهامات، بينها انتهاك الخصوصية واعتراض مراسلات عبر برنامج إلكتروني وتكوين مجموعة إجرامية، وهو التحقيق الذي أتى بعد أن قدّم موقع "ميديا بارت" الإخباري، والمعروف بفضحه قضايا عديدة شائكة، شكوى بشأن التجسّس على صحافيَين تابعَين له، وفي مقدمتهم مؤسس الموقع، الصحافي إيدوي بينيل.

بسبب هذا التطبيق، وجد المغرب نفسه، في قلب زوبعةٍ كان في غنى عنها، خصوصا أنها تأتي في عز الحملة الإعلامية الجزائرية والتحريض ضد المغرب، بعد تصريح ممثله في الأمم المتحدة عن أحقية "الشعب القبائلي" في التحرّر، في ردّ على استفزازات وزير الخارجية الجزائري. وتأتي في ظل أزماتٍ لا زالت ظلالها قائمة مع كل من إسبانيا وألمانيا والمفوضية الأوروبية، وبعد صدور أحكام قضائية قاسية ضد صحافيين مغاربة، ظاهرها قضايا أخلاقية، وباطنها عقاب سياسي تأديبي، دفعت الحليف الأميركي إلى التعليق عليها. ومن هنا، إن صحّ ما ذاع عن تجسس المغرب، فإن المجازفة بفقدان الحليف الفرنسي لن تكون من الحصافة في شيء.

إن صحّ ما ذاع عن تجسس المغرب، فإن المجازفة بفقدان الحليف الفرنسي لن يكون من الحصافة في شيء

يُعترف للمغرب دوليا بقوة مخابراته، الداخلية والخارجية، وهي القوة التي يتمثل جانبها المضيء في محاربة الإرهاب والتطرّف والجريمة المنظمة، وجعلته محل إعجاب ومحاباة من دول غربية وعربية عديدة، حتى أصبح مضربا للمثل، وجعلت تصنيفه عاليا من بين الدول الآمنة، وحتى أضحت هذه الخبرة المخابراتية محل مقايضة في علاقاته الدولية، فقد أوقف المغرب تنسيقه الأمني والمخابراتي في عهد الرئيس الفرنسي السابق، فرانسو هولاند، وأدت فرنسا ثمن ذلك غاليا، ما دفع المغرب إلى رفع التسعيرة، كي تشمل ضمان أمنه القومي ووحدته الترابية، للمطالبة بالاعتراف بمغربية الصحراء ولرفع اللبس والغموض في المواقف، ولفضح النفاق السياسي لدولٍ كانت تهادن الرباط ظاهريا، وتناوئها في المحافل الدولية باطنيا.

مفتاح اللغز لفهم دوافع المغرب في قضايا وطنية ودولية عديدة، ولإدراك الدواعي والأسباب، هو هاجس حل نزاع الصحراء المغربية. ومن هنا، لا غرابة إذا تجسّس المغرب على "أصدقائه" لمعرفة حقيقة مواقفهم، كما يقومون هم بذلك تماما، وبقي الأمر سرا ولم ينفضح كما وقع، ما دام الأمر يتعلق بأمنه القومي وبوحدة ترابه الوطني. ولكنْ هناك جانب مثير للجدل، عندما تقع التجاوزات وتتعدّى الخطوط الحمراء، وتستعمل أساليب عفا عنها الزمن، وترجع بالمغرب عقودا إلى الوراء، وكأننا في حاجة مستقبلية إلى هيئة الإنصاف والمصالحة التي أسسها الملك محمد السادس في بداية حكمه. وختاما، إذا كان الدفاع عن بعض القضايا المشروعة مطلوبا ومحمودا، فإن الغاية لا تبرّر دائما الوسيلة.