المغرب ليس جزيرة

30 يناير 2026

جمهور مغربي من حضور مباراة المغرب والسنغال في نهائي أفريقيا في الرباط (18/1/2026 Getty)

+ الخط -

في لحظاتِ الانفعال، يحتاج الإنسان إلى عبارة جرى تعميدها على الألسنة، لوصف الحال، ولهذا اختُرعت الأمثال، فيكفي أن يقول أحدنا مثلاً في جملة قصيرة، لينزل على الحدث بكل ثقله التاريخي المعتمَد منذ أجيال، مثل الحكم الأخير. وقد تكون العبارة جملة شعرية، مثل "على قلقٍ كأن الريح تحتي"، و"كاد المعلم أن يكون رسولاً".

وهذا ما حدث مع نهاية كأس أفريقيا، واحتفال بعض الجماهير العربية والأفريقية بخسارة المنتخب المغربي، فعادت إلى الواجهة جملة: "المغرب جزيرة" التي قالها المفكر المغربي عبد الله العروي قبل عشرين سنة. ومثل شعلة كبريت امتدّت نارُ المقولة لتُصبح العبارة الأكثر ترديداً على وسائل التواصل، للتعبير عن الشّعور بالخذلان التام بعد حملة العداء غير العادلة.

صُدم المغاربة بالطريقة التي نُسيَ فيها كرمهم وحُسن ضيافتهم، والسرعة التي مُحي بها تاريخ من الصداقة، مع القارّة السمراء، فصار البحران المتوسّط والأطلسي الجارين الوحيدين للمغرب، بحسب الغاضبين، ولم تعد المقولة تقتصر على الخلاف السياسي مع الجزائر.

جاءت عبارة عبد الله العروي في سياق تحليل لواقع جيوسياسي، في حوار تلفزيوني، مفسّراً بأنه "جزيرة مُطوّقة وعليه أن يتصرّف بناء على ذلك". وهو ما تلقّفه كثيرون في تفاعلهم مع أحداث مشتركة مع الجارة الجزائر. منها ما حدث خلال مجريات البطولة من حملة شرسة على مستضيف الحدث، ومن تشنّجات اتسع مداها، وأشعرت المغاربة بخذلان جيرانهم في شمال أفريقيا، والأفارقة جنوب الصحراء، ممن تضامن مع السنغال. فصارت الجملةُ لسانَ حالٍ غير سار.

سياقُ مقولة العروي، التي تُنسب أيضاً إلى المؤرّخ الفرنسي شارل أندري جوليان، جاء في إطار الحديث عن العلاقات المغربية الجزائرية، التي كانت في بداية انحدارها، في إشارة إلى حدوده البرّية المغلقة، وإلى تاريخ من العيش بعيداً عن السيطرة العثمانية على المنطقة. فهو تحدّث بمنطق تاريخي وفي سياق استراتيجي يستحضر الماضي للحديث عن الحاضر، لكنه لم "يَجمع ويَطو" كل المحيط العربي والأفريقي في سلة واحدة، و"يغسل يديه منه" كما فعل الغاضبون. هناك فرق بين تحليل مُفكِّر في سياق حالة خاصة، وبين استعمال نزقٍ في سياق غضب.

من الأسباب التي جعلت العروي، في نظري، يتجنّب الأضواء، هو أنه مؤرّخ لا يُقدّم أجوبة جاهزة، ولم يفعل ذلك في أي من كُتبه الكثيرة. من يقرأ له يجب أن يفعل وهو مسلح بقدر من القدرة على التأمل والتفسير، وأن يصل إلى خلاصاته الخاصة. فالعروي لا يَشغَل نفسه بتقديم إجابات جاهزة، وجمهور الإعلام يصطادها. يودّ لو أن عقل العروي يحلل الأحداث، ويُقدم تفسيره الذي شغّل فيه معرفته، جاهزاً ليُستعمل في مواجهة أي نقاش.

العروي مفكر عقلاني يفضل أن يأخذ مسافة من الأحداث، وهذا ما أزعج كثيرين حين لم يعلق على الربيع العربي إلا بعد وقت في كتاب "حديث الصباح". وحين عاد ليُشير إلى مشكلة المغرب في المغرب الكبير في ظل تفكك الاتحاد وتراكم المشكلات مع الجارة الجزائر بشكل يبدو أنه لا عودة فيه، عام 2024 في أحدث كتبه "دفاتر كوفيد"، حيث استعمل العبارة مرّة أخرى في السياق نفسه، ولم يزد عليها جملة واحدة قد تُفسَّر في سياق آخر.

ولكن كـ"ويل للمصلين" ظلت العبارة عالقة بالأذان، لاستعمالها كلما غضب المغاربة من جيرانهم. لكن المغرب لم يكن، ولن يصبح، جزيرة معزولة، خاصة في العقود الأخيرة بعد أن أقبل على تعزيز علاقاته مع أفريقيا، كما أن امتداداته في المنطقة العربية تتجاوز نزق الكرة.

ندمَ الذين استقبلوا جمهور "الكان" بالتمر والحليب والكُسكس، والعناقات الأخوية، وهاجم الذين لم يفعلوا الذين فَعلوا، وندم الذين شجعوا منتخبات أخرى، وحلفوا بتحريم العودة إلى هذا الذنب العظيم، متواعدين على الشوفينية. لكن كل هذا الندم ضد طبيعة المغاربة شعباً منفتحاً على "البرّاني" الأجنبي القادم إلى البلاد.

مع ذلك، العبارة ولو في سياق العروي نفسه لا تعني أنه محقٌّ في رؤيته الوضع. فما من بلاد يمكنها العيش بلا امتدادات، فتداعيات الأحداث تتجاوز الحدود الجغرافية في عصر التواصل، وما من حل سوى التفاعل معها.

عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
رئيسة قسم الثقافة في "العربي الجديد"، صحافية وشاعرة مغربية.
عائشة بلحاج