المغرب... بداية العد العكسي لانتخابات 2026
صندوقا انتخاب في مركز اقتراع في الرباط (8/9/2021 الأناضول)
قد لا يكون من المبالغة القول إن احتجاجات حركة جيل زِدْ أربكت حسابات الطبقة السياسية المغربية، التي بدأت تستعد للانتخابات التشريعية المقبلة، وفق الحدود المرسومة داخل الحقل السياسي، مطمئنةً إلى تراجع زخم التعبئة داخل الحركات الاحتجاجية لأسباب داخلية وإقليمية لا يتسع المجال للتفصيل فيها.
فرضت هذه الاحتجاجات على السلطة والحكومة والأحزاب والنخب التفكير في كيفياتٍ مغايرةٍ لتنفيذ محطّة 2026، بتجنب سيناريوهات انتخابية صارت مكرورة، ليس فقط بسبب افتقادها ضراوة الصراع السياسي النظيف، ولكن أيضاً بسبب تآكل منسوب السياسة حتى داخل الأحزاب التاريخية التي كانت تحظى باحترام طيفٍ عريضٍ من المغاربة، وأصبحت حالياً جزءاً من تاريخ السياسة المغربية البعيد. وفيما كان يُتوقع اتخاذُ تدابير من شأنها تخليق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وجعلها أكثر مصداقيةً، بما يُفضي إلى مصالحة المغاربة مع السياسة، جاء مشروع القانون التنظيمي الجديد المتعلق بمجلس النواب ليثير جدلاً واسعاً، بسبب بعض مقتضياته، وبالأخص في ما يرتبط بإقراره دعماً مالياً محترماً للشباب، دون 35 عاماً، ممن سيترشّحون لانتخابات 2026. وإذا كان هناك من رأى في هذا إضعافاً للأحزاب، وخطوة نحو الحكم عليها بالموت بإفراغها من كوادرها وطاقاتها الشابة، فإن البعض الآخر رأى فيه تحفيزاً مادياً للشباب الراغبين في خوض غمار الانتخابات، وتشجيعاً لهم على الانخراط في العمل السياسي، في أفق ضخ دماء جديدة في مشهد سياسي يكاد يكون ميتاً، بسبب هيمنة حيتان الانتخابات على مختلف الاستحقاقات، واستغلالها الأحزاب في بناء شبكاتٍ واسعة من النفوذ، تتغذّى على الزبونية والمحسوبية، وتجعل من المال الانتخابي وسيلة لشراء أصوات الناخبين، واستغلال ظروفهم الاجتماعية المزرية في تحقيق مكاسب حزبية وسياسية وشخصية. وبذلك ستجد هذه الحيتان نفسها أمام مشهد انتخابي جديد، يصعب التحكّم فيه وتوجيهُ موارده بالوسائل نفسها التي دأبت على توظيفها في كل محطة انتخابية.
مؤكد أن من شأن إقرار هذا الدعم أن يثير حفيظة الأحزاب التقليدية، التي ترى في الاستحقاقات الانتخابية فرصتها الموسمية للاستفادة من المال الانتخابي، وتغذية شبكة المصالح داخل هياكلها المتآكلة، من دون أن تقدّم مشاريع إصلاحية جادة كفيلةٍ بحل جزء ولو يسير من المشكلات الاجتماعية التي تثقل كاهل المغاربة.
يعكس إشهار ورقة الدعم المالي، في هذا التوقيت، إلى حد كبير، وعيَ السلطة بأن معظم الأحزاب المغربية، الغارقة في خلافاتها الداخلية ومشكلاتها التنظيمية، أصبحت عبئاً عليها وعلى المجتمع، نتيجة عجزها عن تطوير آليات عملها، وتردّدِها في تنويع قاعدتها الاجتماعية بالانفتاح أكثر على الشباب والنساء، ومسؤوليتِها في تراجع نسبة المشاركة السياسية، لا سيما في ظل تزايد عدد المتابعات القضائية بحق نوابٍ في قضايا فساد، الأمر الذي يكرّس صورة سلبية للبرلمان، والعمل البرلماني بوجه عام، لدى فئات واسعة من الرأي العام. يُضاف إلى ذلك أن مطالبة الأحزاب، وتحديداً المتحدرة من الحركة الوطنية، بالإصلاح والتحديث الديمقراطييْن يتعارض مع سلوكها الذي ينهل من ثقافة سياسية تقليدية.
كشف جيل زد عن تحوّلات عميقة في أنماط الوعي والسلوك السياسييْن، ناجمةٍ، بالأساس، عن القطيعة مع الثقافة السياسية التقليدية، وما يمت إليها بصلة من مؤسّسات الوساطة، خصوصاً الأحزاب والنقابات. من هنا، يمكن النظر إلى المستجدات الواردة في مشروع القانون التنظيمي سالف الذكر، محاولة لإعادة صياغة التوازنات داخل الحقل السياسي الرسمي، من دون الخروج على حدوده المرسومة، التي تضعه في تعارض تام مع الطروحات الراديكالية (الإسلامية واليسارية) بشأن السياسة المغربية، بمعنى قطع الطريق على أنماط الوعي والسلوك هاته حتى لا تتشكل في خطابٍ سياسي مضادّ، يتبنى مشروعاً إصلاحياً وتحديثياً صريحاً لا تتحمله البنية التقليدية للسياسة المغربية، ويُفسح المجال أمام مراجعة شاملة للسياسات العمومية الحيوية، وتفعيلِ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي عجزت الطبقة السياسية عن تفعيله منذ صدور دستور 2011.
تؤشر إحالةُ حكومة عزيز أخنوش مشروعَ القانون التنظيمي، المتعلق بمجلس النواب، على مكتب الأخير (المجلس) على بداية العد العكسي لمحطةٍ انتخابيةٍ قد لا تُفرز جديداً كما العادة.