المغرب .. انعدام الثقة في المؤسسات السياسية

المغرب .. انعدام الثقة في المؤسسات السياسية

30 يونيو 2021
الصورة

(فريد بلكاهية)

+ الخط -

أثارت تصريحات سياسية لرئيس البنك المركزي في المغرب، عبد اللطيف الجواهري، عن انعدام ثقة المواطن المغربي في العمل السياسي، والأحزاب السياسية وفي الإدارة العمومية وفي المسؤولين داخل البلد، ردود أفعال كثيرة ما زالت تتفاعل بين مؤيد ومعارض لها. ففي أثناء تقديمه أحد التقارير الدورية لأكبر مؤسسة مالية عمومية في المغرب، وصف الأحزاب السياسية بأنّها مجرّد "باكور وزعتر" وهذا تعبير دارج مغربي قدحي، يعني أنّها بلا قيمة ولا تساوي أيّ شيء، واعتبر أنّ الناس لم تعد تثق فيها، بسبب وعودها الكاذبة في الانتخابات، بل جزم أنّ المغاربة فقدوا الثقة في كلّ شيء، سواء كان مؤسسة حزبية أو مؤسسة عمومية، قائلاً: "الناس لم تعد تثق فينا"!

وكان لهذه التصريحات، نظراً إلى موقع الرجل وحساسية منصبه في البلد، وقع الصدمة داخل الطبقة السياسية الحزبية المغربية، وفي أوساط الرأي العام المغربي المسيس. أولاً، لأنّها صادرة عن أكبر مسؤول عن السياسة النقدية في المغرب، وهو ليس طارئاً على المجال، بما أنّه يترأس البنك المركزي في المغرب منذ عام 2003، وسبق له أن شغل منصب وزير المالية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، في عزّ الأزمة الاقتصادية التي عاشها المغرب منتصف الثمانينيات، في فترة تطبيق ما سميت "سياسة التقويم الهيكلي" وهي مجموعة الشروط المجحفة التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية الدائنة للمغرب على البلد آنذاك للاستمرار في منحه قروضها. وثانياً، لأنّها تأتي عشية استعداد المغرب لمسلسل من الاستحقاقات السياسية التي تبدأ الصيف الحالي، وتستمر حتى مطلع الخريف المقبل، في ظلّ تخوف كبير من عزوف المغاربة عن المشاركة فيها، وهو ما دفع وزارة الداخلية، الجهة الرسمية الوصية على الانتخابات في المغرب، إلى إطلاق حملة إعلاناتٍ واسعةٍ لتشجيع الشباب على تسجيل أنفسهم في اللوائح الانتخابية.

مسألة انعدام الثقة أو تدنّي مستواها في المؤسسات الرسمية والحزبية، وفي العمل السياسي، في المغرب، جزء من الواقع، وحقيقة يشعر بها مغاربةٌ كثيرون

المرحّبون بهذه التصريحات اعتبروها بمثابة "وشهد شاهدٌ من أهلها" ورأوا فيها ناقوس خطر ينذر بتدنّي مستوى الثقة في الدولة ومؤسّساتها ومسؤوليها، مع ما يشكله ذلك من تنامي خيبة الأمل داخل شرائح واسعة من المجتمع، وبالتالي تغذية منسوب الغضب الاجتماعي ضد الدولة ومؤسّساتها ورموزها. فيما اعتبرها منتقدوها، وأغلبهم من قادة الأحزاب ومشايعيهم، مجرّد مزايدة سياسية من تكنوقراطي يفرض عليه منصبُه الذي عينه فيه الملك، واجب التحفظ وعدم الإدلاء بتصريحاتٍ سياسية.

وبعيداً عن رأيي الفريقين، فإنّ مسألة انعدام الثقة أو تدنّي مستواها في المؤسسات الرسمية والحزبية، وفي العمل السياسي عموماً، في المغرب، هي جزء من الواقع، وحقيقة موجودة، يشعر بها مغاربةٌ كثيرون، ويعبرون عنها يومياً، من خلال تفاعلاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي أثناء التظاهرات القليلة التي ما زالت السلطة تسمح بخروجها إلى الشارع، سواء مجبرة أو متغاضية، وغالباً للتنفيس عن حالة الاحتقان الاجتماعي المتنامي داخل المجتمع. وقد سبق أن حذّرت تقارير صادرة عن مؤسسات حكومية مغربية وأخرى دولية، أو تنتمي إلى المجتمع المدني، من تدنّي منسوب ثقة الناس في مؤسسات الدولة والمجتمع في المغرب، وهو ما زكّته أيضاً دراساتٌ وبحوثٌ ميدانيةٌ لمراكز بحث قيمة. وتكفي الإشارة في هذا الصدد إلى تقرير أصدرته، قبل أسابيع "لجنة النموذج التنموي الجديد" وهي هيئة عيّنها ملك المغرب من خبراء وباحثين ومسؤولين سابقين وحاليين، لإعداد تصوّر جديد للتنمية في المغرب، حمل تشخيصاً للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد، ورصد أزمة الثقة تجاه الفعل العمومي، ووقف عند تنامي شعور المواطنين بتراجع ثقتهم في السياسيين، وهو الشعور الذي قال التقرير نفسه إنّه يمتدّ ليشمل حتى النخب السياسية والاقتصادية، والفئات الاجتماعية الميسورة التي يعتبرها السواد الأعظم من المواطنين استفادت من امتيازاتٍ غير مشروعة، وأنّها غير حريصةٍ على المصلحة العامة. ويعزو معدّو التقرير تراجع منسوب الثقة إلى تعطّل آليات الارتقاء الاجتماعي، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتردّي جودة الخدمات العمومية، وضعف الحسّ الأخلاقي، وتراجع قيم النزاهة لدى المكلفين بتدبير الشأن العام. وحذّر التقرير من بعض المخاوف بشأن المستقبل، النابعة أساساً من الإحساس بتلاشي الثقة في قدرة المؤسسات العمومية على السهر على الصالح العام.

إعادة الثقة المفقودة لا تأتي فقط بالتصريحات والتصريحات المضادّة التي لا تزيد سوى في تعميق الهوّة بين المجتمع والدولة

تلتقي تصريحات رئيس البنك المركزي المغربي، وخلاصات تقرير اللجنة الملكية، عند الخلاصة نفسها المتمثلة في انعدام منسوب الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين المواطن والمسؤول، سياسياً كان أو عمومياً، وهو ما ينعكس على علاقة المواطن بالحكومة والإدارة العمومية بصفة عامة، وعلى علاقته أيضاً بالمؤسّسات المنتخبة، وتلك التي تقوم بدور الوساطة المجتمعية، بسبب غياب قيم مثل العدل والمساواة والشفافية والإدارة الجيدة وسيادة القانون، وتساوي الجميع أمام أحكامه.

ليس فقدان الثقة السياسية والاجتماعية في المغرب جديداً، بما أنّه نتيجة تراكم سنوات طويلة من ارتهان العمل السياسي للمصالح الخاصة، واعتماد سياساتٍ رسميةٍ تقوم على تشجيع الريع وحماية الفساد والمفسدين، وتهميش دور الحكومة والبرلمان والمؤسّسات المنتخبة، وإضعاف كلّ مؤسسات الوساطة الاجتماعية، عبر ضرب مصداقيتها وتحجيم دورها داخل الدولة والمجتمع. لكنّ حساسية التذكير اليوم بهذه الحقيقة التي يعرفها الجميع، كونها تأتي قبيل الاستحقاقات التي سيشهدها المغرب مطلع الخريف المقبل، لتجديد البرلمان، ومن خلاله تجديد الحكومة. وإعادة هذه الثقة المفقودة لا تأتي فقط بالتصريحات والتصريحات المضادّة التي لا تزيد سوى في تعميق الهوّة ما بين المجتمع والدولة، وإنّما من خلال وجود إرادة سياسية حقيقية، تكون قادرةً على تجديد العقد الاجتماعي، وإعلاء قيم الشفافية والحكامة والعدل والمساوة الاجتماعية، باعتبارها سبلاً لغرس الثقة بين الدولة ومواطنيها، وإتاحة الفرص أمام الجميع، وتنمية الاقتصاد، وتقليص الفوارق الاجتماعية. ومقابل ذلك، فإنّ المستفيد الوحيد من ترك هامش انعدام الثقة يكبر ستكون أجهزة الضبط التي تقوّى نفوذها، بدعوى ضمان استقرار البلد، فيما غالباً ما يكون ذلك على حساب حريات الناس وحقوقها، وهو ما قد ينجح مؤقتاً في تأخير ساعة الانفجار، لكنّه لن يمنع حدوثه عندما تقع الواقعة.