المغرب العربي بين أميركا وأوروبا: ماذا بعد؟

16 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

أدى سلوك فرنسا، والغرب معها، إلى تقوية جانب الإرهاب من خلال عملية تبادل رهينتين، فرنسية ومواطن من مالي، مقابل تحرير قرابة مائتي إرهابي، ما يعزّز فرص ازدياد حالة عدم الاستقرار، في المنطقة، أكثر ممّا هي عليه تماما كما ساهم دفع الفدى، من قبل، في تجهيز الإرهابيين وتمكينهم من التّجنيد والحصول على السّلاح. 

ذلك هو الموقف الاستراتيجي الجديد الذي تبنّته العقيدة العسكرية الفرنسية، استجابة لوضع محدّد، هو وقوع مواطنة فرنسية في أيدي الجماعات الإرهابية لتنتقل من دفع الفدى إلى مقايضة تحرير رهينة بإطلاق سراح إرهابيين كثيرين، في وقتٍ شهد زيارة وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، المغرب العربي (تونس والجزائر والمغرب)، موقّعا على اتفاقيات تعاون عسكري في كلّ من تونس والمغرب، و إجراء مفاوضات مع مسؤولين رفيعي المستوى في الجزائر (الرئيس عبد المجيد تبّون وقائد الأركان، على وجه الخصوص)، ما ينمّ عن أنّ ثمّة تموقعا جديدا يجري الترتيب له، تحضيرا لما بعد رئاسيات الولايات المتحدة، من ناحية، من الجانب الأميركي، و محاولة احتواء المد السلبي للانقلاب الذي وقع في مالي، من ناحية أخرى، بالنسبة، على الخصوص، للجانب الفرنسي.

وعند النظر إلى كل تلك الزيارات (سبقت زيارة وزير الدفاع الأميركي تحرّك قائد القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال ستيفان تاونساند، الجزائر، تلتها زيارة وفد عسكري روسي رفيع) سنعلم أن الأمور تسير نحو بناء مبادرات جديدة من روسيا وأميركا، في حين أن الأوروبيين، بحضورٍ يكاد يكون حصريا لفرنسا، هنا، يكتفون بحضورٍ على استحياء، مع العلم أن الجميع يدرك من له الفاعلية في المنطقة (المغرب العربي والمنطقة الساحلية -الصحراوية)، ومن يمكنه التّأثير في الترتيبات، سلما وحربا، أمنيا ودفاعيا واستراتيجيا.

تموقع جديد يجري الترتيب له، تحضيرا لما بعد رئاسيات الولايات المتحدة، من الجانب الأميركي، و محاولة احتواء المد السلبي للانقلاب في مالي، بالنسبة، على الخصوص، للجانب الفرنسي.

بداية، علينا الإلمام بالموقف الاستراتيجي، الآن، في المنطقة، حيث يجري التحضير لاحتواء آثار وباء كورونا المدمرة، خصوصا على المستوى الاقتصادي، إضافة إلى عودة الاستقرار السياسي في دول المغرب العربي، بعد انحسار مد الحراك الشعبي في الجزائر، تسمية حكومة جديدة في تونس والتفرغ الكامل للحكومة المغربية، لتسيير شؤون الاقتصاد، بعد انطفاء شعلة الحراك في منطقة الريف، من دون أن ننسى انتظار الأطراف، المهتمة والمعنية بقضية الصحراء الغربية، لتعيين مبعوث أممي جديد سبقه تمديد عهدة المينورسو (بعثة الأمم المتحدة الخاصة بالاستفتاء) عاما. وهناك، أيضا، في هذا المقام، تنويع بالشأن الليبي الذي يجري، حوله، أكثر من لقاء سياسي لترتيب وقف إطلاق النار، ووضع تصور لخريطة طريق سياسية تنهي الصراع، وتعيد السلم إلى هذا البلد المغاربي.

أمّا جنوبا، في الساحل، فإن عين الجميع على عودة الاستقرار في مالي، بعد تسمية رئيس للسلطة الانتقالية ومحاولة الحد من عمليات الجماعات الإرهابية في مثلث الموت الواقع بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر. كما يجري الترتيب لإدارة أمنية/ دفاعية أنجع للإقليم، برمته، بعد الفشل الفرنسي الذريع في احتواء حركية الإرهاب الدولي فيه، ليقع العبء الثقيل، هنا، على "أفريكوم"، الذراع العسكرية للمؤسسة العسكرية الأميركية في القارة الأفريقية. ويستدعي هذا الموقف الإستراتيجي، بالنتيجة، وضع قطعة الشطرنج، روسيا وأميركيا، بتلك الزيارات المتكررة للمسؤولين على قطاع الأمن والدفاع، وخصوصا المغرب العربي، حيث يخشى الغرب تأثيرات كورونا المدمرة على أي احتمالات لعدم الاستقرار وتداعيات ذلك على مجمل الحركيات الصراعية في هذا الفضاء الجيوسياسي.

على هذا، يجب فهم ديناميات الصراع بين القوى الكبرى وتجهيز الدول المغاربية للاستفادة من هذه الحركية، حتى لا تبقى متفرّجة على غيرها يرتب، يبادر ويهندس للمستقبل، وهي تتفرّج، بل وتكون موضوعا لكل هذه الحركية، وهو ما يمكن أن ينادى، من خلاله، إلى تعاضد حركية الدول المغاربية، بإعادة إحياء العمل المشترك أو، على أقل تقدير، محاولة الاستفادة من هذا الوضع للتأثير على التموقع وتحقيق مكاسب قد تفضي، في نهاية الأمر، إلى إدراك تلك القوى الكبرى فائدة التعامل مع قوة إقليمية تحمل مسمى "المغرب العربي"، وأن ذلك أفضل من التعامل مع منطق الدولة - الدولة الذي يعاين الجميع فشله، وبالخصوص أوروبا، على أكثر من صعيد وملف، لعل أبرزها اتفاقات الشراكة مع دول المغرب العربي، الموقف في ليبيا أو تداعيات الفشل الفرنسي في الساحل. 

يلاحظ، هنا، أن فرنسا، ومعها دول جنوب البحر المتوسط، لم تستدع اجتماعا للمنتدى 5 + 5، الذي كانت تتعامل به على أنه الأداة التي تسير من خلالها ملفات الصراع، السلم والحرب في غرب المتوسط والمنطقة الساحلية – الصحراوية، وقد يعود ذلك إلى قرار فرنسا الاهتمام، أكثر، في هذه الأيام الأخيرة، بشرق المتوسط، ووقوفها إلى جانب اليونان في صراعها مع تركيا، إضافة إلى إدراك فرنسا، أيضا، الأثر السيئ لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين حكومة الوفاق الليبية وتركيا، العام الماضي، واحتمالات أن لا يكون الموقف، بهذه التطورات، قادرا على جعل فرنسا في موقفٍ من يرسم خريطة طريق، بالإشتراك مع دول الضفة الجنوبية للمتوسط، في إطار ذلك المنتدى.

يجب، بعد الإلمام بالموقف الاستراتيجي، رسم خريطة طريق للنهوض الجماعي، على الرغم من كل الخلافات، للاستفادة من التنافس، وجعله نقطة انطلاق لحركية تعاضدية

وطبعا، عندما تشاهد أميركا وروسيا ذلك الفشل الأوروبي، يكون أول ما تقوم به هو المبادرة لملء الفراغ، وعرض رؤى أخرى، وهو ما تحاوله روسيا مع الجزائر، باعتبار أنها شريك لها في المنطقة وأميركا مع الدول الثلاث التي زارها، أخيرا، وزير دفاعها، وهو الموقف الذي يجعل من الدول المغاربية أمام موقف تاريخي لتنويع الشركاء، إحراج فرنسا والدفع بأوروبا، خصوصا في الملفات الاقتصادية، على التراجع عن تعنتها في فرض منطقها.

لكن، وهنا الرّهان الاستراتيجي، يجب، بعد الإلمام بالموقف الاستراتيجي، رسم خريطة طريق للنهوض الجماعي، على الرغم من كل الخلافات، للاستفادة، كما قلنا، من التنافس، وجعله نقطة انطلاق لحركية تعاضدية، قد تكون المحادثات الليبية في بوزنيقة في المغرب، أولى خطواتها، ثم الانتقال إلى ملفات التأثير على الوضع في الساحل، وخصوصا من القاطرة المغاربية، الجزائر والمغرب، من خلال العلاقات الاستراتيجية للجزائر مع جارتيها الساحليتين، مالي والنيجر، ومدخلات العلاقات المغربية الاستراتيجية مع تجمع غرب أفريقيا الاقتصادي (إيكواس)، وذلك كله لتموقع مغاربي استراتيجي مستقبلي، يبعث، بإدراك القوى الكبرى، بوجود فاعل يجب الاهتمام برؤاه وإدراكاته، في أكثر من ملف.

هل حان الوقت لإدراك التحوّلات في الموقف الإقليمي على المستوى الاستراتيجي واستيعابها، لرسم موقف استراتيجي، موحّد ومغاربي؟

كثيرا ما تنطلق المواقف الاستراتيجية الواقعية من جمودٍ قد يبدو من دون حراك، ولكن بمجرّد إدراك الفرص، ورسم خريطة طريق لكسر جليد ذلك السكون، يبدأ التحرّك المفيد، وخصوصا إذا لم يكن انفراديا، وهو الموقف نفسه الذي توجد فيه الدول المغاربية، الآن، والتي يظن بعضهم أنها ستخرج منهكة من معركة جائحة كورونا، كما أنها لم تحتو، يعد، تداعيات حركية الانتقال الديمقراطي (الربيع العربي بموجتيه، الأولى والثانية). لكن وبسبب معطيات الموقف الجديدة، هناك رهاناتٌ يجب أن تُفهم وتحدّيات على المغاربيين رفعها، ولو من خلال إدراكٍ ينطلق من مقالةٍ تلتقطها دوائر صنع القرار، ثم تشكل نقطة انطلاق عمل استراتيجي حقيقي، لتبوء مكانة القوة الإقليمية، حقيقة لا مجازا.

وربما، أوّل مرتكز للتحرّك التعاضدي إدراك أن منطق التعامل من الآخرين مع المنطقة بمنطق الدولة - الدولة هو ما شجع على رسم مبادرات واتخاذ قرارات، وهو ما جعل من منتدى 5 + 5 أولى من الاتحاد المغاربي، الميت سريريا منذ أكثر من ثلاثة عقود، كما جعل من اتفاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي قيودا للجمود، وأدوات لتكريس التبعيـــة والتخلّف.

هل حان الوقت لإدراك كلّ هذه التحوّلات في الموقف الإقليمي على المستوى الإستراتيجي واستيعابها، لرسم موقف استراتيجي، موحّد ومغاربي، مقابل ومختلف بمكاسب حقيقية للمغرب العربي؟ هذا هو السّؤال الذي نريد من صانعي القرار، في المغرب العربي، الإجابة عنه، وسريعا، لأن الزمن الاستراتيجي يسير بسرعة الضوء، ولا يتوقف عند التفكير الملي من دون مخطط، رؤية وطموح، فهل من مصغ؟